فمسألة الدين في الدولة العلية هي الآلة القوية التي يستعملها أصحاب الدسائس والغايات، وأولئك الذين يثورون بدسائس أعداء الدولة إنما يثورون ضد أنفسهم، ويقضون على حياتهم وسعادتهم بعبثهم وجنونهم واتباعهم لأوامر أعداء الدولة المحركين لهم؛ فالذين ماتوا من الأرمن في الحوادث الأرمنية إنما ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية، والذين ماتوا في كريد ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية، بل والذين ماتوا من جنود اليونان في تساليا ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية نفسها، ومن يعمل بنصيحة أعداء الدولة ويتبع أوامرهم فجزاؤه ما نال الأرمن واليونان.
وبديهي أن دولة مثل دولة إنكلترا التي تدعي محبة المسيحيين في الشرق، والعمل لراحتهم وسعاداتهم، لو كانت صادقة في دعواها، لرأت من الواجب عليها أن تصافي الدولة العلية حتى تنال منها متمناها بشأن المسيحيين، وإلا فمن الجنون في السياسة أن تدعي إنكلترا محبة المسيحيين، ثم تعادي الدولة العلية القابضة بيديها على زمام أمور المسيحيين، فهل يقبل العقل البشري أن دولة قوية كالدولة العلية تعمل في بلادها على خلاف رغبتها، وتنيل أصدقاء الإنكليز أي أصدقاء ألد أعدائها الراحة والسعادة والهناء؟! هل يقبل العقل البشري أن المسيحيين المدافعة عنهم إنكلترا يعادون المسلمين، ثم يسألونهم معاملتهم بالرقة واللطف وحسن العناية بهم؟!
إن الاتفاق والوفاق بين المسلمين والمسيحيين في الدولة العلية لا يكون نتيجة الضغط والقوة، بل نتيجة الميل المتبادل وحسن النية من الجانبين، والإخلاص والوفاء للدولة العلية، وإذا كانت دول أوروبا تريد حقيقة سعادة المسيحيين في الشرق، فأول واجب عليها هو أن تأمرهم بالامتثال لأوامر الدولة، والتعلق بها، والإخلاص في خدمتها، وإلا فالدولة أو فالدول العاملة على إلقاء بذور الشقاق والعداوة بين المسلمين والمسيحيين لا تجني ويستحيل أن تجني شيئا آخر غير العداوة المرة والخصومة الشديدة.
وغني عن البيان أن المسلمين في الدولة العلية متى رأوا فريقا من أخدانهم المسيحيين يعمل بأوامر الأجنبي عدوه خائنا للوطن العثماني، ناكثا لعهد الدولة العثمانية، أي عدوه دخيلا في الوطن والملة والدولة، ووجب عليهم العمل ضده بكل ما في استطاعتهم قياما بواجباتهم الوطنية، وهذا هو الشأن في أمم العالم، فلو فرضنا أن فريقا من الإنكليز قام يوما ما في إنكلترا بإحداث الاضطرابات والثورات تنفيذا لأوامر دولة أجنبية كالروسيا أو ألمانيا أو فرنسا؛ فأي واجب تحتمه الوطنية عندئذ على بقية الإنكليز؟ أليس القضاء على هؤلاء الخونة المنفذين لأوامر دولة أجنبية بكل الوسائل؟
القائمون بالثورات والاضطرابات في الدولة العلية خونة منفذون لأوامر أعداء الدولة، يجب على العثمانيين الصادقين إعلان العداء لهم، والانتقام منهم بكل ما في الجهد والاستطاعة.
ويستحيل الوصول كما قدمنا إلى الاتفاق السليم الصحيح بين المسيحيين والمسلمين في الدولة العثمانية إلا بإخلاص الجميع لها إخلاصا تاما.
هذه هي الحقيقة وحدها دون غيرها.
وإذا كان اختلاف الدين في الدولة العلية هو داء من أدوائها، بل هو أكبر أدوائها، فالدخلاء في الدولة العلية داء عضال، وبلية لا تعادلها بلية؛ فإن الذين كانوا سببا في هزيمة الدولة في حروب مختلفة هم الدخلاء، والذين ساعدوا الدسائس الأجنبية هم الدخلاء. فقد دخل في جسم الدولة العلية كثير من الأجانب نساء ورجالا، وغيروا أسماءهم بأسماء إسلامية، وعملوا على الارتقاء في المناصب حتى وصل بعضهم إلى أسماها، وصاروا من أقرب المقربين، فعرضوا بالدولة للدمار، وأطلعوا أعداءها على أسرارها، وقد انتشر الدخلاء في الزمن السالف إلى كل فروع الدولة العلية حتى في الجيش نفسه، وصارت لهم سلطة عظيمة ونفوذ كبير، وكنت تجد من وزراء الدولة العلية من يعمل لصالح الروسيا مدعيا أنه روسي السياسة، ومن يعمل لصالح إنكلترا مدعيا أنه إنكليزي السياسة، ولكن ليس منهم من كان عثماني السياسة.