وقال ابن جني في الخصائص : الحقيقة : ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة . والمجاز : ما كان بضد ذالك ، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة ، وهي : الاتساع ، والتوكيد ، والتشبيه ، فإن عدمت الثلاثة تعينت الحيقة ، فمن ذالك قوله صلى الله عليه وسلم ( في الفرس ) ( هو بحر ) ؛ فالمعاني الثلاثة موجودة فيه ، أما الاتساع لأنه زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجواد ، ونحوها البحر ، حتى إنه إن احتيج إليه في شعر أو سجع أو اتساع استعمل استعمال بقية تلك الأسماء ، لاكن لا يفضى إلى ذالك إلا بقرينة تسقط الشبهة ، وذالك كأن يقول الشاعر :
علوت مطا جوادك يوم يوم
وقد ثمد الجياد فكان بحرا
وكأن يقول الساجع : فرسك هاذا إذا سما بغرته كان فجرا ، وإذا جرى إلى غايته كان بحرا ، فإن عري عن دليل فلا ؛ فلئلا يكون إلباسا وإلغازا ، وأما التشبيه فلأن جريه يجري في الكثرة مثل مائه ، وأما التوكيد فلأنه شبه العرض بالجوهر ، وهو أثبت في النفوس منه . قال شيخنا : وهو كلام ظاهر إلا أن كلامه في التوكيد وأنه شبه العرض بالجوهر لا يخلو عن نظر ظاهر ، وتناقض في الكلام غير خفى . وقال الإمام الخطابي : قال نفطويه : إنما شبه الفرس بالبحر ؛ لأنه أراد أن جريه كجري ماء البحر ، أو لأنه يسبح في جريه كالبحر إذا ماج فعلا بعض مائه على بعض .
( و ) البحر : ( الريف ) ، وبه فسر أبو علي قوله عز وجل : ﴿ ظهر الفساد فى البر والبحر ﴾ ( الروم : 41 ) ، لأن البحر الذي هو الماء لا يظهر فيه فساد