أ- إنّ قوله معناه إنكار الملائكة التي يسمع منها الرسول ، فالله عز وجل يرسل أمين الوحي جبريل إلى أنبيائه يوحي إليهم بإذن ربه ما يشاء، قال تعالى:(وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء( الشورى :51، ففرّق الله سبحانه بين إرسال الرسول الذي يوحي بإذنه ما يشاء وبين الوحي، كما فرّق بين ذلك وبين التكلم في قوله تعالى:( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنّبيين من بعد( إلى قوله تعالى :( وكلّم الله موسى تكليما( النساء:163-164. ففرق بين الإيحاء العام المشترك بين الأنبياء وتكليمه لموسى عليه السلام ، كما فرّق بين الإيحاء وبين إرسال رسول يوحي بإذنه ما يشاء .
ب- إنّ ابن سينا يثبت فقط ما هو من جنس الوحي والإلهام عندما يقول بالقوة القدسية التي تفيض على نفس النّبي، بل الوحي والإلهام الذي أثبته الله تعالى فوق القوة القدسية التي يثبتها، والرسل لهم أحوال في السماع خارجة عن قوى النفس، وعن جنس الإيحاء العام والإلهام المشترك، إذ يسمعون كلام الملك المرسل إليهم، وتدل عليه آية الشورى السابقة، وقوله تعالى:( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس( الحج :175.
ج- لقد أخبر الله تعالى أنّه يكلم البشر من وراء حجاب، وأن يكلِّم موسى عليه السلام تكليماً، وهذا يقتضي أنه يكلم بعض رسله تكليماً خارجاً عن جنس ما يحصل بالوحي والإلهام مما يتناول القوة القدسية وغيرها.(1)
د- يقول الله تعالى في قصة مريم:( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً( سورة مريم:17-19. وقال تعالى:( ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا( سورة التحريم:12.
(1) المصدر السابق – بتصرف يسير – 1/203-205 .