تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب الأول

| في زمن الملوكية المصرية، وفيه ثلاثة فصول

إن الإحدى والثلاثين عائلة المتقدم ذكرها التي حكمت مصر من ابتداء الملك منا تنقسم إلى ثلاث طبقات تعرف بالدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة، وكانت كل عائلة تسمى باسم المدينة التي اتخذتها تختا لملكها؛ فيقال عائلة طينية؛ أي تخت ملكها بمدينة طينة، وعائلة منفية؛ أي تخت ملكها بمدينة منف، وعائلة طيبية؛ أي تخت ملكها بمدينة طيبة، وعائلة صاوية؛ أي تخت ملكها بمدينة صا الحجر، وهكذا. أما إذا كانت العائلة أجنبية فتسمى باسم أمتها؛ ولذا يقال العائلة الإثيوبية، والعائلة الفارسية، والعائلة المقدونية، وهكذا.

الفصل الأول

في الطبقة الأولى، وهي الدولة القديمة، وفيه ثلاثة مطالب:

حكمت هذه الدولة 1940 سنة (5626-3686ق.ه) وتشتمل على عشر عائلات من العائلة الأولى إلى العائلة العاشرة.

المطلب الأول

في الملك منا ومبدأ الدولة القديمة

لما ظهر الملك منا من مدينة طينة التي هي بلدة كانت بالقرب من العرابة المدفونة بجوار جرجا، وتغلب على الكهنة ونزع الحكم من أيديهم، تولى هو ملك مصر، ولما رأى ميل أهالي طينة إلى القسس تركها وأسس مدينة منف المعروفة الآن بالبدرشين وميت رهينة، وجعلها تخت ملكه، وحول إليها مجرى النيل، فجعله يجري بقربها من الجهة الشرقية في وسط وادي النيل، بعد أن أبطل مجراه الأصلي الذي كان بقرب سلسلة جبال ليبيا، والجسر الذي أعده لهذا الغرض موجود للآن، ويعرف بجسر قشيشة، فأصلح بذلك الأراضي التي في شرقها وجعلها تصلح للزراعة، وشيد فيها هيكلا لمعبودها بتاح، ثم سن القوانين، ونظم السياسة، ورتب الديانة، وغزا سكان ليبيا الذين شنوا غارة الحرب عليه فقهرهم، وأدخلهم تحت طاعته، ثم مات بعد أن حكم اثنتين وستين سنة.

ومن بعده تلقب ملوك مصر بملوك الوجه القبلي والبحري. غير أن مصر بقيت على التجزئة التي كانت عليها قبل ظهوره مدة الثلاث عائلات الأول التي لم يعلم من تاريخها شيء تقريبا حتى ظهرت العائلة الرابعة، فانضمت إلى بعضها وصارت مملكة واحدة.

المطلب الثاني

في زمن تشييد أهرام الجيزة، وهو العصر الأول من أعصار الفنون المصرية

قد كانت العائلة الرابعة أشهر عائلات الدولة القديمة؛ فإن في عهدها كان تشييد أهرام الجيزة؛ أكبر الأهرام الموجودة بمصر، وفي أيامها بلغت مصر درجة عظمى في التمدن، ونمت فيها الفنون والعلوم والثروة الأهلية بطريقة عجيبة، ومن عهدها صار يستدل من الآثار التي بالمقابر على تتابع الملوك والحوادث التاريخية، بل وعلى كيفية معيشة قدماء المصريين. وكان أشهر ملوكها الملك خوفو؛ فقد كان رجلا مقاتلا ومحبا لتشييد العمارات؛ فهو الذي شيد الهرم الأكبر من أهرام الجيزة، واستعمل في بنائه، مع المناوبة، في كل ثلاثة أشهر مائة ألف عامل، فاستمرت عمارته ثلاثين سنة؛ منها عشرة في توطيد أرضيته وبناء حجراته السفلى وبناء الجسر الموصل إليه من شاطئ النيل بالحجارة، وكان معدا لنقل الأحجار التي بني بها هذا الهرم، ومنها عشرون سنة في تشييد نفس الهرم، ويبلغ ارتفاعه الآن 137 مترا، ويتركب من 200 طبقة من الأحجار الجسيمة، وقد كان مغطى بطبقة من الأحجار المنحوتة أزيلت عنه من منذ قرون، ولو كان بقي على حالته الأولى لكان يبلغ ارتفاعه 150 مترا، وأما ضلع قاعدته فيبلغ 235 مترا، والأحجار التي استعملت في بنائه يبلغ حجمها 25000000 متر مكعب، وهو يشتمل على ثلاث حجرات وجملة طرقات موصلة إليها، ثم على بئر عميقة، وأعجب ما يستغرب منه في تشييد هذا الهرم المهارة التي توصل بها المصريون إلى بناء ما بداخله من الحجرات والطرقات التي مع توالي تلك السنين عليها لم يحصل لها أدنى خلل مع عظم الثقل الجسيم الذي فوقها.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٣