الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين أربعة: أبو بكر الصديق (11-13ه) وعمر بن الخطاب (13-23ه) وعثمان بن عفان (23-35ه) وعلي بن أبي طالب (35-41ه) بويع لهم بالخلافة الواحد بعد الآخر من بعد وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم
فقاموا بالأمر من بعده على التعاقب مدة ثلاثين سنة نشروا في أثنائها الديانة المحمدية نشرا عظيما، وأوسعوا الدولة الإسلامية اتساعا غريبا؛ فقد كانت مدتهم أعظم المدد الإسلامية في تعظيم الدين ونشره بالفتوحات خصوصا خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه هو الذي فتح معظم فتوحات تلك المدة؛ فإن أبا بكر لقصر مدته وخروج معظم قبائل العرب في مبدأ الأمر عن طاعته لم يتمكن إلا من فتوح بلاد العراق وجزء صغير من بلاد الشام، فإنه بعد أن رد القبائل المرتدة إلى الطاعة وأوجد وحدة بلاد العرب على يد خالد بن الوليد وغيره من الأمراء أمر هذا القائد بالمسير إلى بلاد العراق فافتتحها، وتملك على الحيرة والأنبار، ثم سيره أبو بكر رضي الله عنه من هناك إلى بلاد الشام لمساعدة أبي عبيدة بن الجراح الذي كان أرسله لفتوح تلك البلاد، فافتتحا بعض بلادها، فلما تولى الخلافة عمر بن الخطاب أتم فتوحها على أيدي هذين القائدين وذهب بنفسه للمعاهدة مع بطريرق بيت المقدس، ثم افتتح أرض الجزيرة، فصارت حينئذ جميع قبائل العرب بدون استثناء أمة واحدة خاضعة لأمير واحد، ثم دخلت جيوشه بلاد أرمينية، ووصلت إلى بلاد القوقاز، وقد سير عمرو بن العاص لفتوح مصر ففتحها، وضم إليها برقة وبلاد النوبة، وأرسل سعد بن أبي وقاص لفتوح بلاد العجم، فوصل العرب إذ ذاك إلى حدود بلاد الهند، ودخل في حوزتهم خراسان وخوارزم، ثم زاد عثمان بن عفان رضي الله عنه على ذلك أفريقية التي افتتحها عبد الله بن أبي سرح عامله على مصر، وجزائر قبرص وكريد وكوس ورودس بالبحر الأبيض المتوسط التي افتتحها معاوية عامله على الشام، فصارت مملكة العرب ممتدة حينئذ من حدود بلاد الهند شرقا إلى البحر الأبيض المتوسط وبلاد أفريقية غربا، ومن شواطئ نهر جيحون وبحر الخزر شمالا إلى الأقيانوس الهندي وبلاد النوبة جنوبا.
هذا ومع عظم هذه الدولة وما كان عليه هؤلاء الخلفاء من السلطة والشوكة، فإنهم لم يخرجوا عن حالة الزهد والقناعة التي كانوا عليها أيام النبي
صلى الله عليه وسلم ؛ فلم يلتفتوا إلى زينة أو فخار أو ثروة، بل استمروا على عيش الكفاف والأخذ بناصر الضعيف والنظر إلى الفقراء والمساكين؛ فإن عمر رضي الله عنه لما سافر من المدينة إلى فلسطين للتملك على بيت المقدس لم يصحب معه سوى غلام له، وكان راكبا على ناقة يتناوبها مع غلامه حاملا على مقدم رحلها حقيبتين مملوءة إحداهما دقيقا والأخرى تمرا، ومعلقا عليه مزادة ماء، وكان يتصدق من ذلك على من صادفه في طريقه. وقد كان هؤلاء الخلفاء رضي الله عنهم يقضون في الأحكام بغاية الحكمة والعدالة ؛ فإنهم كانوا يسوون بين الغنى والفقير، والرفيع والحقير؛ يؤيد ذلك ما وقع في أيام عمر رضي الله عنه؛ حيث قال لجبلة بن الأيهم ملك الغسانيين حين اشتكاه إليه رجل: إما أن ترضيه بالمال أو يلطمك كما لطمته. فقال له جبلة: ألا يفضل عندكم ملك على سوقة؟ قال: كلا، بل كلاهما في الحق سواء. وقد بويع لهم جميعا بالمدينة فاتخذوها مركزا لحكومتهم، إلا عليا رضي الله عنه؛ فإنه انتقل منها إلى الكوفة ببلاد العراق ليتمكن من إقماع الذين خرجوا عن طاعته، ولم يزل بها حتى قتل، فبويع لابنه الحسن بها، فلم يلبث أن تنازل عن الخلافة لمعاوية أمير الشام، فانتقلت الخلافة حينئذ إلى بني أمية.
المطلب الثاني
في ذكر عمرو بن العاص وفتوح العرب لمصر
قد كان فتوح العرب لمصر في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب؛ فإنه بعد أن عاد إلى المدينة من فتوح بيت المقدس رد معه من جيش الشام عمرو بن العاص ليسيره إلى مصر، وكان عمرو بن العاص هو الذي يحرض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على فتوحها، وكانت مصر إذ ذاك تابعة لمملكة الرومانيين الشرقية التي كان تخت ملكها بمدينة القسطنطينية، وكان عليها عاملان من قبل هرقل قيصر الرومانيين؛ أحدهما وهو الحاكم على الأقاليم البحرية كان من القسطنطينية ومقيما بسكندرية، والآخر وهو الحاكم على أقاليم مصر الوسطى كان يدعى المقوقس ومقيما بمدينة منف، وكان يوناني الأصل مصري المولد.