تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

به المعتاد تشريفا له ، وهو المعبر عنه بقوله : أو من وراء حجاب } ( الشورى : 51 ) ، وقد كلم الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ، وأحسب الأحاديث القدسية كلها أو معظمها مما كلم الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وأما إرسال الله جبريل بكلام إلى أحد أنبيائه ، فهي كيفية أخرى ، وذلك بإلقاء الكلام في نفس الملك الذي يبلغه إلى النبي ، والقرآن كله من هذا النوع ، وقد كان الوحي إلى موسى بواسطة الملك في أحوال كثيرة وهو الذي يعبر عنه في التوراة بقولها : قال الله لموسى .

وقوله : ﴿ قال رب أرني ﴾ هو جواب ﴿ لما ﴾ على الأظهر ، فإن قدرنا الواو في قوله : ﴿ وكلمه ﴾ زائدة في جواب لما كان قوله : ﴿ قال ﴾ واقعا في طريق المحاورة فلذلك فصل .

وسؤال موسى رؤية الله تعالى تطلع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلاهي ، لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة . وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث ، وحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم ، أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة ، ومما يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية جعل جملة ﴿ وكلمه ربه ﴾ شرطا لحرف ( لما ) لأن ( لما ) تدل على شدة الارتباط بين شرطها وجوابها ، فلذلك يكثر أن يكون علة في حصول جوابها كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما في هذه السورة ( 22 ) ، هذا على جعل وكلمه ﴾ عطفا على شرط لما ، وليس جواب لما ، ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى ، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة ، فكان موسى يحسب أن مثلها ممكن في الدنيا حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا ، ولا يمتنع على نبي عدم العلم بتفاصيل الشؤون الإلاهية قبل أن يعلمها الله إياه ، وقد قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وقل رب زدني علما ﴾ ( طه : 114 ) ، ولذلك كان أيمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلاهية لا نعلم كنهها وهو معنى قولهم : ( بلا كيف ) .

وكان المعتزلة غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة .

وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللفظ ، فإن الفريقين متفقان على استحالة

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٩١