تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجهل : انتفاء العلم أو تصور الشيء على خلاف حقيقته ، وتقدم في قوله تعالى : { للذين يعملون السوء بجهالة في سورة النساء ( 17 ) ، والمراد جهلهم بمفاسد عبادة الأصنام ، وكان وصف موسى إياهم بالجهالة مؤكدا لما دلت عليه الجملة الاسمية من كون الجهالة صفة ثابتة فيهم وراسخة من نفوسهم ، ولولا ذلك لكان لهم في باديء النظر زاجر عن مثل هذا السؤال ، فالخبر مستعمل في معنييه : الصريح والكناية ، مكنى به عن التعجب من فداحة جهلهم .

وفي الإتيان بلفظ قوم } وجعل ما هو مقصود بالإخبار وصفا لقوم ، تنبيه على أن وصفهم بالجهالة كالمتحقق المعلوم الداخل في تقويم قوميتهم ، وفي الحكم بالجهالة على القوم كلهم تأكيد للتعجب من حال جهالتهم وعمومها فيهم بحيث لا يوجد فيهم من يشذ عن هذا الوصف مع كثرتهم ، ولأجل هذه الغرابة أكد الحكم ( بإن ) لأن شأنه أن يتردد في ثبوته السامع .

وجملة ﴿ إن هؤلاء متبر ما هم فيه ﴾ بمعنى التعليل لمضمون جملة ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ فلذلك فصلت عنها وقد أكدت وجعلت اسمية لمثل الأغراض التي ذكرت في أختها ، وقد عرف المسند إليه بالإشارة لتمييزهم بتلك الحالة التي هم متلبسون بها أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعد اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم متبرا أمرهم وباطلا عملهم ، وقدم المسند وهو ﴿ متبر ﴾ على المسند إليه وهو ﴿ ما هم فيه ﴾ ليفيد تخصيصه بالمسند إليه أي : هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة ، وأنه لهم ضربة لازب ، ولا يصح أن يجعل ﴿ متبر ﴾ مسندا إليه لأن المقصود بالإخبار هو ما هم فيه .

والمتبر : المدمر ، والتبار بفتح التاء الهلاك ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تبارا ﴾ ( نوح : 28 ) . يقال نبر الشيء كضرب وتعب وقتل وتبره تضعيف للتعدية ، أي أهلكه والتتبير مستعار هنا لفساد الحال ، فيبقى اسم المفعول على حقيقته في أنه وصف للموصوف به في زمن الحال .

ويجوز أن يكون التتبير مستعارا لسوء العاقبة ، شبه حالهم المزخرف ظاهره بحال الشيء البهيج الآيل إلى الدمار والكسر فيكون اسم المفعول مجازا في الاستقبال ، أي

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٨٢