تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان إغراقهم انتقاما من الله لذاته لأنهم جحدوا انفراد الله بالإلاهية ، أو جحدوا إلاهيته أصلا ، وانتقاما أيضا لبني إسرائيل لأن فرعون وقومه ظلموا بني إسرائيل وأذلوهم واستعبدوهم باطلا .

والإغراق : الإلقاء في الماء المستبحر الذي يغمر الملقى فلا يترك له تنفسا ، وهو بيان للانتقام وتفصيل لمجمله ، فالفاء في قوله : ﴿ فأغرقناهم ﴾ للترتيب الذكري ، وهو عطف مفصل على مجمل كما في قوله تعالى : ﴿ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ﴾ ( البقرة : 54 ) .

وحمل صاحب ( الكشاف ) الفعل المعطوف عليه هنا على معنى العزم فيكون المعنى : فأردنا الانتقام منهم فأغرقناهم ، وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم في سورة البقرة ( 54 ) .

واليم : البحر والنهر العظيم ، قيل هو كلمة عربية . وهو صنيع الكشاف } إذ جعله مشتقا من التيمم لأنه يقصد للمنتفعين به ، وقال بعض اللغويين : هو معرب عن السريانية وأصله فيها ( يما ) وقال شيدلة : هو من القبطية ، وقال ابن الجوزي : هو من العبرية ، ولعله موجود في هذه اللغات . ولعل أصله عربي وأخذته لغات أخرى سامية من العربية والمراد به هنا بحر القلزم ، المسمى في التوراة بحر سوف ، وهو البحر الأحمر . وقد أطلق ( اليم ) على نهر النيل في قوله تعالى : ﴿ أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ﴾ ( طه : 39 ) وقوله : ﴿ فإذا خفتت عليه فألقيه في اليم ﴾ ( القصص : 7 ) ، فالتعريف في قوله : ﴿ اليم ﴾ هنا تعريف العهد الذهني عند علماء المعاني المعروف بتعريف الجنس عند النحاة إذ ليس في العبرة اهتمام ببحر مخصوص ولكن بفرد من هذا النوع .

وقد أغرق فرعون وجنده في البحر الأحمر حين لحق بني إسرائيل يريد صدهم عن الخروج من أرض مصر ، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة البقرة وسيأتي تفصيله عند قوله تعالى : { حتى إذا أدركه الغرق في سورة يونس ( 90 ) .

والباء في بأنهم } للسببية ، أي : أغرقناهم جزاء على تكذيبهم بالآيات .

والغفلة ذهول الذهن عن تذكر شيء ، وتقدمت في قوله تعالى : ﴿ وإن كنا عن دراستهم لغافلين ﴾ في سورة الأنعام ( 156 ) ، وأريد بها التغافل عن عمد وهو الإعراض عن التفكر في الآيات ، وإباية النظر في دلالتها على صدق موسى ، فإطلاق الغفلة على هذا مجاز ،

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٧٥