تنتابهم متوالية من صحة وخصب ورخاء ورفاهية . وجيء في جانب السيئة بحرف ( إن ) لأن الغالب أن تدل ( إن ) على التردد في وقوع الشرط ، أو على الشك ، ولكون الشيء النادر الحصول غير مجزوم بوقوعه ، ومشكوكا فيه ، جيء في شرط إصابة السيئة بحرف ( إن ) لندرة وقوع السيئات أي : المكروهات عليهم ، بالنسبة إلى الحسنات ، أي : النعم ، وفي ذلك تعريض بأن نعم الله كانت متكاثرة لديهم وأنهم كانوا معرضين عن الشكر ، وتعريض بأن إصابتهم بالسيئات نادرة وهم يعدون السيئات من جراء موسى ومن آمن معه ، فهم في كلتا الحالتين بين كافرين بالنعمة وظالمين لموسى ومن معه ، ولهذين الاعتبارين عرفت الحسنة تعريف الجنس المعروف في علم المعاني بالعهد الذهني ، أي : جاءتهم الحسنات ، لأن هذا الجنس محبوب مألوف كثير الحصول لديهم ، ونكرت ﴿ سيئة ﴾ لندرة وقوعها عليهم ، ولأنها شيء غير مألوف حلوله بهم ، أي : وإن تصبهم آية سيئة ، كذا في ( الكشاف ) و ( المفتاح ) .
واعلم أن التفرقة بين تعريف الجنس والتنكير من لطائف الاستعمال البلاغي ، كما أشرنا إليه في قوله تعالى : ﴿ الحمد لله ﴾ في سورة الفاتحة ( 2 ) ، وأما من جهة مفاد اللفظ ، فالمعرف بلام الجنس والمنكرة سواء ، فلا تظن أن اللام للعهد لحسنة معهودة ووقوع المعرف بلام الجنس والنكرة في سياق الشرط ، في هذه الآية يعم كل حسنة وكل سيئة . والحسنة والسيئة هنا مراد بهما الحالة الحسنة والحالة السيئة .
واللام في قوله ﴿ لنا ﴾ هذه لام الاستحقاق أي : هذه الحسنة حق لنا ، لأنهم بغرورهم يحسبون أنهم أحرياء بالنعم ، أي : فلا يرون تلك الحسنة فضلا من الله ونعمة .
﴿ ويطيروا ﴾ أصله يتطيروا ، وهو تفعل ، مشتق من اسم الطير ، كأنهم صاغوه على وزن التفعل لما فيه من تكلف معرفة حظ المرء بدلالة حركات الطير ، أو هو مطاوعة سمي بها ما يحصل من الانفعال من إثر طيران الطير . وكان العرب إذا خرجوا في سفر لحاجة ، نظروا إلى ما يلاقيهم أول سيرهم من طائر ، فكانوا يزعمون أن في مروره علامات يمن وعلاماتت شؤم ، فالذي في طيرانه علامة بمنن في إصطلاحهم يسمونه السانح ، وهو الذي ينهض فيطير من جهة اليمين للسائر والذي علامته الشؤم هو البارح وهو الذي يمر على اليسار ، وإذا وجد السائر طيرا جاثما آثاره لينظر أي جهة يطير ، وتسمى تلك الإثارة زجرا ، فمن الطير ميمون ومنه مشؤوم