تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإتيان والمجيء مدلولهما واحد ، وهو بعثة موسى بالرسالة ، فجعل الفعل المعبر عنه حين علق به ( قبل ) بصيغة المضارع المقترن ب ( أن ) الدالة على الاستقبال والمصدرية لمناسبة لفظ ( قبل ) لأن ما يضاف إلى ( قبل ) مستقبل بالنسبة لمدلولها ، وجعل حين علق به ( بعد ) بصيغة الماضي المقترن بحرف ( ما ) المصدرية لأن ( ما ) المصدرية لا تفيد الاستقبال ليناسب لفظ ( بعد ) لأن مضاف كلمة ( بعد ) ماض بالنسبة لمدلولها .

فأجابهم موسى بتقريب أن يكونوا هم الذين يرثون ملك الأرض والذين تكون لهم العاقبة .

وجاء بفعل الرجاء دون الجزم تأدبا مع الله تعالى ، وإقصاء للاتكال على أعمالهم ليزدادوا من التقوى والتعرض إلى رضى الله تعالى ونصره . فقوله : ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ﴾ ناظر إلى قوله : ﴿ إن الأرض لله ﴾ ( الأعراف : 128 ) وقوله : ﴿ ويستخلفكم في الأرض ﴾ ناظر إلى قوله ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ ( الأعراف : 128 ) .

والمراد بالعدو ، فرعون وحزبه ، فوصف عدو يوصف به الجمع قال تعالى : ﴿ هم العدو ﴾ ( المنافقون : 4 ) .

والمراد بالاستخلاف : الاستخلاف عن الله في ملك الأرض . والاستخلاف إقامة الخليفة ، فالسين والتاء لتأكيد الفعل مثل استجاب له ، أي جعلهم أحرارا غالبين ومؤسسين ملكا في الأرض المقدسة .

ومعنى ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ التحذير من أن يعملوا ما لا يرضي الله تعالى ، والتحريض على الاستكثار من الطاعة ليستحقوا وصف المتقين ، تذكيرا لهم بأنه عليم بما يعملونه .

فالنظر مستعمل في العلم بالمرئيات ، والمقصود بما ﴿ تعملون ﴾ عملهم مع الناس في سياسة ما استخلفوا فيه ، وهو كله من الأمور التي تشاهد إذ لا دخل للنيات والضمائر في السياسة وتدبير الممالك ، إلا بمقدار ما تدفع إليه النيات الصالحة من الأعمال المناسبة لها ، فإذا صدرت الأعمال صالحة كما يرضي الله ، وما أوصى به ، حصل المقصود ، ولا يضرها ما تكنه نفس العامل .

و ( كيف ) يجوز كونها استفهاما فهي معلقة لفعل ( ينظر ) عن المفعول ، فالتقدير فينظر جواب السؤال ب ﴿ كيف تعملون ﴾ ، ويجوز كونها مجردة عن معنى الاستفهام دالة على مجرد الكيفية ، فهي مفعول به ل ﴿ ينظر ﴾ كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ في سورة آل عمران ( 6 ) ، وقوله تعالى :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٦٢