تعرف لنا سببا يوجب العقوبة غير ذلك .
والنقم : بسكون القاف وبفتحها ، الإنكار على الفعل ، وكراهة صدوره وحقد على فاعله ، ويكون باللسان وبالعمل ، وفعله من باب ضرب وتعب ، والأول أفصح ولذلك قرأه الجميع ﴿ وما تنقم ﴾ بكسر القاف .
والاستثناء في قولهم : ﴿ إلا أن آمنا بآيات ربنا ﴾ متصل ، لأن الإيمان ينقمه فرعون عليهم ، فليس في الكلام تأكيد الشيء بما يشبه ضده .
وجملة ﴿ ربنا أفرغ علينا صبرا ﴾ من تمام كلامهم ، وهي انتقال من خطابهم فرعون إلى التوجه إلى دعاء الله تعالى ، ولذلك فصلت عن الجملة التي قبلها .
ومعنى قوله : ﴿ ربنا أفرغ علينا صبرا ﴾ اجعل لنا طاقة لتحمل ما توعدنا به فرعون .
ولما كان ذلك الوعيد مما لا تطيقه النفوس سألوا الله أن يجعل لنفوسهم صبرا قويا ، يفوق المتعارف ، فشه الصبر بماء تشبيه المعقول بالمحسوس ، على طريقة الاستعارة المكنية ، وشبه خلقه في نفوسهم بإفراغ الماء من الإناء على طريقة التخييلية ، فإن الإفراغ صب جميع ما في الإناء ، والمقصود من ذلك الكناية عن قوة الصبر لأن إفراغ الإناء يستلزم أنه لم يبق فيه شيء مما حواه ، فاشتملت هذه الجملة على مكنية وتخييلية وكناية .
وتقدم نظيره في قوله تعالى : { قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا في سورة البقرة ( 250 ) .
ودعوا لأنفسهم بالوفاة على الإسلام إيذانا بأنهم غير راغبين في الحياة ، ولا مبالين بوعيد فرعون ، وأن همتهم لا ترجو إلا النجاة في الآخرة ، والفوز بما عند الله ، وقد انخذل بذلك فرعون ، وذهب وعيده باطلا ، ولعله لم يحقق ما توعدهم به لأن الله أكرمهم فنجاهم من خزي الدنيا كما نجاهم من عذاب الآخرة .
والقرآن لم يتعرض هنا ، ولا في سورة الشعراء ، ولا في سورة طه ، للإخبار عن وقوع ما توعدهم به فرعون لأن غرض القصص القرآنية هو الاعتبار بمحل العبرة وهو تأييد الله موسى وهداية السحرة وتصلبهم في إيمانهم بعد تعرضهم للوعيد بنفوس مطمئنة .