تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخبيث الشيء الموصوف بالخبث والخباثة وحقيقة ذلك أنه حالة حشية لشيء تجعله مكروها مثل القذر ، والوسخ ، ويطلق الخبث مجازا على الحالة المعنوية من نحو ما ذكرنا تشبيها للمعقول بالمحسوس ، وهو مجاز مشهور ، والمراد به هنا خسة النفوس الصادرة عنها مفاسد الأعمال ، والطيب الموصوف بالطيب ضد الخبث بإطلاقيه فالكفر خبث لأن أساسه الإعتقاد ، الفاسد ، فنفس صاحبه تتصور الأشياء على خلاف حقايقها فلا جرم أن تأتي صاحبها بالأفعال على خلاف وجهها ، ثم إن شرائع أهل الكفر تأمر بالمفاسد والضلالات وتصرف عن المصالح والهداية بسبب السلوك في طرائق الجهل وتقليبب حقائق الأمور ، وما من ضلالة إلا وهي تفضي بصاحبها إلى أخرى مثلها ، والإيمان بخلاف ذلك .

و ( من ) في قوله : ﴿ من الطيب ﴾ للفصل ، وتقدم بيانها عند قوله تعالى : ﴿ والله يعلم المفسد من المصلح ﴾ في سورة البقرة ( 220 ) .

وجعل الخبيث بعضه على بعض : علة أخرى لحشر الكافرين إلى حهنم ولذلك عطف بالواو فالمقصود جمع الخبيث وإن اختلفت أصنافه في مجمع واحد ، لزيادة تمييزه عن الطيب ، ولتشهير من كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإيمان ، وفي جمعه بهذه الكيفية تذليل لهم وإيلام ، إذ يجعل بعضهم على بعض حتى يصيروا ركاما .

والركم : ضم شيء أعلى إلى أسفل منه ، وقد وصف السحاب بقوله : ﴿ ثم يجعله ركاما ﴾ ( النور : 43 ) .

واسم الإشارة ب ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ للتنبيه على أن استحقاقهم الخبر الواقع عن اسم الإشارة كان بسبب الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة ، فإن من كانت تلك حاله كان حقيقا بأنه قد خسر أعظم الخسران ، لأنه خسر منافع الدنيا ومنافع الآخرة .

فصيغة القصر في قوله : ﴿ هم الخاسرون ﴾ هي للقصر الادعائي ، للمبالغة في اتصافهم بالخسران ، حتى يعد خسران غيرهم كلا خسران وكأنهم انفردوا بالخسران من بين الناس .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٣٤٣