تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حين أوصى بأن يكون الأمر شورى بين ستة ( ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لعهدت إليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له إنه أمين هذه الأمة ) .

وقوله : ﴿ وتخونوا ﴾ عطف على قوله : ﴿ لا تخونوا ﴾ فهو في حيز النهي ، والتقدير : ولا تخونوا أماناتكم ، وإنما أعيد فعل ﴿ تخونوا ﴾ ولم يكتف بحرف العطف ، الصالح للنيابة عن العامل في المعطوف ، للتنبيه على نوع آخر من الخيانة فإن خيانتهم الله ورسوله نقض الوفاء لهما بالطاعة والامتثال ، وخيانة الأمانة نقض الوفاء بأداء ما ائتمنوا عليه .

وجملة ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ تخونوا ﴾ الأول والثاني ، وهي حال كاشفة والمقصود منها تشديد النهي ، أو تشنيع المنهي عنه لأن النهي عن القبيح في حال معرفة المنهي أنه قبيح يكون أشد ، ولأن القبيح في حال علم فاعله بقبحه يكون أشنع ، فالحال هنا بمنزلة الصفة الكاشفة في قوله تعالى : ﴿ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه ﴾ ( المؤمنون : 117 ) وقوله ﴿ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ﴾ ( البقرة : 22 ) وليس المراد تقييد النهي عن الخيانة بحالة العلم بها ، لأن ذلك قليل الجدوى ، فإن كل تكليف مشروط بالعلم وكون الخيانة قبيحة أمر معلوم .

ولك أن تجعل فعل ﴿ تعلمون ﴾ منزلا منزلة اللازم ، فلا يقدر له مفعول ، فيكون معناه ( وأنتم ذوو علم ) أي معرفة حقائق الأشياء ، أي وأنتم علماء لا تجهلون الفرق بين المحاسن والقبائح ، فيكون كقوله : ﴿ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ﴾ في سورة البقرة ( 22 ) .

ولك أن تقدر له هنا مفعولا دل عليه قوله : ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ أي وأنتم تعلمون خيانة الأمانة أي تعلمون قبحها فإن المسلمين قد تقرر عندهم في آداب دينهم تقبيح الخيانة ، بل هو أمر معلوم للناس حتى في الجاهلية .

وابتداء جملة : ﴿ واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ بفعل ﴿ اعلموا ﴾ للاهتمام كما تقدم آنفا عند قوله : ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ ( الأنفال : 24 ) وقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ ( الأنفال : 25 ) وهذا تنبيه على الحذر من الخيانة التي يحمل عليها المرء حب المال وهي خيانة الغلول وغيرها ، فتقديم الأموال لأنها مظنة الحمل على الخيانة في هذا المقام .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٣٢٤