على مبالغة النفي عند قوله تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الآية في سورة آل عمران ( 79 ) . والمعنى : فاستمر عدم إيمانهم وتمكن منهم الكفر في حين كان الشأن أن يقلعوا عنه .
وما كذبوا } موصول وصلته وحذف العائد المجرور على طريقة حذف أمثاله إذا جر الموصول بمثل الحرف المحذوف ، ولا يشترط اتحاد متعلقي الحرفين على ما ذهب إليه المحققون منهم الرضي كما في هذه الآية .
وما صدق ( ما ) الموصولة : ما يدل عليه ﴿ كذبوا ﴾ ، أي : فما كانوا ليؤمنوا بشيء كذبوا به من قبل مما دعوا إلى الإيمان به من التوحيد والبعث . وشأن ( ما ) الموصولة أن يراد بها غير العاقل ، فلا يكون ما صدق ( ما ) هنا الرسل ، بل ما جاءت به الرسل ، فلذلك كان فعل ﴿ كذبوا ﴾ هنا مقدرا متعلقه لفظ ( به ) كما هو الفرق بين كذبه وكذب به ، قال تعالى : ﴿ فكذبوه فأنجيناه ﴾ ( الأعراف : 64 ) وقال : ﴿ وكذب به قومك وهو الحق ﴾ ( الأنعام : 66 ) وحذف المتعلق هنا إيجازا ، لأنه قد سبق ذكر تكذيب أهل القرى ، ابتداء من قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا في قرية من بنيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ﴾ ( الأعراف : 94 ) وقد سبق في ذلك قوله : ﴿ ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ﴾ ( الأعراف : 96 ) ولهذا لم يحذف متعلق فعل ﴿ كذبوا ﴾ في نظير هذه الآية من سورة يونس .
والمعنى : ما أفادتهم البينات أن يؤمنوا بشيء كان بدر منهم التكذيب به في ابتداء الدعوة ، فالمضاف المحذوف الذي دل عليه بناء ﴿ قبل ﴾ على الضم تقديره : من قبلل مجيء البينات .
وأسند نفي الإيمان إلى ضمير جميع أهل القرى باعتبار الغالب ، وهو استعمال كثير ، وسيخرج المؤمنون منهم بقوله : ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ﴾ .
ومعنى قولهن : ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ مثل ذلك الطبع العجيب المستفاد من حكاية استمرارهم على الكفر ، والمؤذن به فعل ﴿ يطبع ﴾ ، وقد تقدم نظائره غير مرة ، منها عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) .
وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم في سورة النساء ( 155 ) .