يوم حنين عنفهم الله بقوله : ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ إلى قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ﴾ في سورة براءة ( 25 27 ) وذكر التوبة يقتضي سبق الإثم .
ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا توجهوا إليهم أدباركم ، يقال : ولي وجهه فلانا إذا أقبل عليه بوجهه ومنه قوله تعالى : ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ( البقرة : 144 ) فيعدى فعل ولى إلى مفعولين بسبب التضعيف ، ( ومجرده ولي ) إذا جعل شيئا واليا أي قريبا فيكون ولى المضاعف مثل قرب المضاعف ، فهذا نظم هذا التركيب .
و ( الأدبار ) جمع دبر ، وهو ضد قبل الشيء وجهه ، وما يتوجه إليك منه عند إقباله على شيء وجعله أمامه ، ودبره ظهره وما تراه منه حين انصرافه وجعله إياك وراءه ، ومنه يقال استقبل واستدبر وأقبل وأدبر ، فمعنى توليتهم الأدبار صرف الأدبار إليهم ، أي الرجوع عن استقبالهم ، وتولية الأدبار كناية عن الفرار من العدو بقرينة ذكره في سياق لقاء العدو ، فهو مستعمل في لازم معناه مع بعض المعنى الأصلي ، وإلا فإن صرف الظهر إلى العدو بعد النصر لا بد منه وهو الانصراف إلى المعسكر ، إذ لا يفهم أحد النهي عن إدارة الوجه عن العدو ، وإلا للزم أن يبقى الناس مستقبلين جيش عدوهم ، فلذلك تعين أن المفاد من قوله : ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ النهي عن الفرار قبل النصر أو القتل .
وعبر عن حين الزحف بلفظ اليوم في قوله ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم الزحف أي يولهم يوم الزحف دبره أي حين الزحف .
ومن ثم استثني منه حالة التحرف لأجل الحيلة الحربية والانحياز إلى فئة من الجيش للاستنجاد بها أو لإنجادها .
والمستثنى يجوز أن يكون ذاتا مستثنى من الموصول في قوله ﴿ ومن يولهم ﴾ والتقدير : إلا رجلا متحرفا لقتال ، فحذف الموصوف وبقيت الصفة ، ويجوز أن يكون المستثنى حالة من عموم الأحوال دل عليها الاستثناء أي إلا في حال تحرفه لقتال .
و ( التحرف ) الانصراف إلى الحرف ، وهو المكان البعيد عن وسطه فالتحرف مزايلة المكان المستقر فيه والعدول إلى أحد جوانبه ، وهو يستدعي تولية الظهر لذلك المكان بمعنى الفرار منه .