تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| 2 ( 206 ) ﴿ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ﴾ . ) 2

تتنزل منزلة العلة للأمر بالذكر ، ولذلك صدرت ب ﴿ إن ﴾ التي هي لمجرد الاهتمام بالخبر ، لا لرد تردد أو إنكار ، لأن المخاطب منزه عن أن يتردد في خبر الله تعالى ، فحرف التوكيد في مثل هذا المقام يغني غناء فاء التفريع ، ويفيد التعليل كما تقدم غير مرة ، والمعنى : الحث على تكرر ذكر الله في مختلف الأحوال ، لأن المسلمين مأمورون بالاقتداء بأهل الكمال من الملإ الأعلى ، وفيها تعريض بالمشركين المستكبرين عن عبادة الله بأنهم منحطون عن تلك الدرجات .

والمراد ب ﴿ الذين عند ربك ﴾ الملائكة ، ووجه جعل حال الملائكة علة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر : أن مرتبة الرسالة تلحق صاحبها من البشر برتبة الملائكة ، فهذا التعليل بمنزلة أن يقال : اذكر ربك لأن الذكر هو شان قبيلك ، كقول ابن دارة سالم بن مسافع :

فإن تتقوا شرا فمثلكم اتقى

وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل

فليس في هذا التعليل ما يقتضي أن يكون الملائكة أفضل من الرسل ، كما يتوهمه المعتزلة لأن التشبه بالملائكة من حيث كان الملائكة أسبق في هذا المعنى ؛ لكونه حاصلا منهم بالجبلة فهم مثل فيه ، ولا شبهة في أن الفريق الذين لم يكونوا مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة ، إذا تخلقوا بمثل خلق الملائكة ، كان سموهم إلى تلك المرتبة أعجب ، واستحقاقهم الشكر والفضل له أجدر .

ووجه العدول عن لفظ الملائكة إلى الموصولية : ما تؤذن به الصلة من رفعة منزلتهم ، فيتذرع بذلك إلى إيجاد المنافسة في التخلق بأحوالهم .

و ﴿ عند ﴾ مستعمل مجازا في رفعة المقدار ، والحظوة الآلهية .

وقوله : ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ ليس المقصود به التنويه بشأن الملائكة لأن التنويه بهم يكون بأفضل من ذلك ، وإنما أريد به التعريض بالمشركين وأنهم على النقيض من أحوال الملائكة المقربين ، فخليق بهم أن يكونوا بعداء عن منازل

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٢٤٣