تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر اسم القرآن إظهار في مقام الإضمار ، لأن القرآن تقدم ذكره بواسطة اسم الإشارة فنكتة هذا الإظهار : التنويه بهذا الأمر ، وجعل جملته مستقلة بالدلالة غير متوقفة على غيرها ، وهذا من وجوه الاهتمام بالكلام ومن دواعي الإظهار في مقام الإضمار استقريتة من كلام البلغاء .

والاستماع الإصغاء وصيغة الافتعال دالة على المبالغة في الفعل ، والإنصات الاستماع مع ترك الكلام فهذا مؤكد ( لا تسمعوا ) . مع زيادة معنى . وذلك مقابل قولهم : ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ ( فصلت : 26 ) ، ويجوز أن يكون الاستماع مستعملا في معناه المجازي ، وهو الامتثال للعمل بما فيه كما تقدم آنفا في قوله : ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ ( الأعراف : 198 ) ويكون الإنصات جامعا لمعنى الإصغاء وترك اللغو .

وهذا الخطاب شامل للكفار على وجه التبليغ ، وللمسلمين على وجه الارشاد لأنهم أرجى للانتفاع بهديه لأن قبله قوله : ﴿ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ( الأعراف : 203 ) .

ولا شبهة في أن هذه الآية نزلت في جملة الآيات التي قبلها وعلى مناسبتها ، سواء أريد بضمير الخطاب بها المشركون والمسلمون معا ، أم أريد المسلمون تصريحا والمشركون تعريضا ، أم أريد المشركون للاهتداء والمسلمون بالأحرى لزيادته .

فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال ، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المقضي إلى الإيمان به ، ولما جاء به من إصلاح النفوس ، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعمل بما فيه ، فالاستماع والإنصات مراتب بحسب مراتب المستمعين .

فهذه الآية مجملة في معنى الاستماع والإنصات وفي مقتضى الأمر من قوله : ﴿ فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ ، يبين بعض إجمالها سياق الكلام والحمل على ما يفسر سببها من قوله تعالى : ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه ﴾ ( فصلت : 26 ) ، ويحال بيان مجملها فيما زاد على ذلك على أدلة أخرى . وقد اتفق علماء الأمة على أن ظاهر الآية بمجرده في صور كثيرة مؤول ، فلا يقول أحد منهم بأنه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٢٣٩