تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابن كثير ، والأصم ، وابن المنير ، والجبائي .

ووصفت النفس بواحدة على أسلوب الإدماج بين العبرة والموعظة ، لأن كونها واحدة أدعى للاعتبار إذ ينسل من الواحدة أبناء كثيرون حتى ربما صارت النفس الواحدة قبيلة أو أمة ، ففي هذا الوصف تذكير بهذه الحالة العجيبة الدالة على عظم القدرة وسعة العلم حيث بثه من نفس واحدة رجالا كثيرا ونساء ، وقد تقدم القول في ذلك في طالعة سورة النساء .

والذي يظهر لي أن في الكلام استخداما في ضميري ﴿ تغشاها ﴾ وما بعده إلى قوله : ﴿ فيما آتاهما ﴾ وبهذا يجمع تفسير الآية بين كلا الرأيين .

و ( من ) في قوله : ﴿ من نفس واحدة ﴾ ابتدائية .

وعبر في جانب الأنثى بفعل جعل ، لأن المقصود جعل الأنثى زوجا للذكر ، لا الإخبار عن كون الله خلقها ، لأن ذلك قد علم من قوله : ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ .

و ( من ) في قوله : ﴿ وجعل منها ﴾ للتبعيض ، والمراد : من نوعها ، وقوله : ﴿ منها ﴾ صفة ل ﴿ زوجها ﴾ قدمت على الموصوف للاهتمام بالامتنان بأن جعل الزوج وهو الأنثى من نوع ذكرها وهذه الحكمة مطردة في كل زوجين من الحيوان .

وقوله : ﴿ ليسكن إليها ﴾ تعليل لما أفادته ( من ) التبعيضية .

والسكون مجاز في الاطمئنان والتأنس أي : جعل من نوع الرجل زوجه ليألفها ولا يجفو قربها ، ففي ذلك منة الإيناس بها ، وكثرة ممارستها لينساق إلى غشيانها ، فلو جعل الله التناسل حاصلا بغير داعي الشهوة لكانت نفس الرجل غير حريصة على الاستكثار من نسله ، ولو جعله حاصلا بحالة ألم لكانت نفس الرجل مقلة منه ، بحيث لا تنصرف إليه إلا للاضطرار بعد التأمل والتردد ، كما ينصرف إلى شرب الدواء ونحوه المعقبة منافع ، وفرع عنه بفاء التعقيب ما يحدث عن بعض سكون الزوج إلى زوجه وهو الغشيان .

وصيغت هذه الكنابة بالفعل الدال على التكلف لإفادة قوة التمكن من ذلك لأن التكلف يقتضي الرغبة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٢١١