تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استينافها الاهتمام بمضمونها ، كي تتوجه الأسماع إليها ، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله : ﴿ قل إنما علمها عند ربي . . . قل إنما علمها عند الله ﴾ ( الأعراف : 187 ) للاهتمام باستقلال المقول ، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله ، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول عليه الصلاة والسلام نحو معرفة الغيب ليقلع من عقول المشركين توهم ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة ، إعلانا للمشركين بالتزام أنه لا يعلم الغيب ، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيئسوا من تحديه بذلك ، وإعلاما للمسلمين بالتمييز بين ما تقتضيه النبوة وما لا تقتضيه ، ولذلك نفى عن نفسه معرفة أحواله المغيبة ، فضلا على معرفة المغيبات من أحوال غيره إلا ما شاء الله .

في ( تفسير البغوي ) ، عن ابن عباس : أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري عند الغلاء ، وبالأرض التي تريد أن تجدب فترتحل منها إلى التي قد أخصبت ، فأنزل الله تعالى : ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ﴾ فيكون هذا من جملة ما توركوا به مثل السؤال عن الساعة ، وقد جمع رد القولين في قول .

ومعنى الملك هنا الاستطاعة والتمكن ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا في سورة المائدة ( 76 ) ، والمقصود منه ، هنا : ما يشمل العلم بالنفع والضر ، لأن المقام لنفي معرفة الغيب ، ولأن العلم بالشيء هو موجب توجه النفس إلى عمله .

وقدم النفع في الذكر هنا على الضر : لأن النفع أحب إلى الإنسان ، وعكس في آية المائدة ؛ لأن المقصود تهوين أمر معبوداتهم ، وأنها لا يخشى غضبها .

وإنما عطف قوله : ولا ضرا } مع أن المرء لا يتطلب إضرار نفسه لأن المقصود تعميم الأحوال إذ لا تعدو أحوال الإنسان عن نافع وضار ، فصار ذكر هذين الضدين مثل ذكر المساء والصباح وذكر الليل والنهار والشر والخير وسيأتي مزيد بيان لهذا عند قوله تعالى : ﴿ ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ﴾ في سورة الفرقان ( 3 ) ، وجعل نفي أن يملك لنفسه نفعا أو ضرا مقدمة لنفي العلم بالغيب ، لأن غاية الناس من التطلع إلى معرفة

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٢٠٧