وقال رائدهم أرسوا نزاولها
ومرسى السفينة استقرارها بعد المخر قال تعالى : ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ ( هود : 41 ) ، وقد أطلق الإرساء هنا استعارة للوقوع تشبيها لوقوع الأمر الذي كان مترقبا أو متردد فيه بوصول السائر في البر أو البحر إلى المكان الذي يريده .
وقد أمر الله رسوله بجوابهم جواب جد وإغضاء عن سوء قصدهم بالسؤال التهكم ، إظهارا لنفي الوصمة عن وصف النبوءة من جراء عدم العلم بوقت الشاعة ، وتعليما للذين يترقبون أن يحصل من جواب الرسول عن سؤال المشركين علم للجميع بتعيين وقت الساعة فإذا أمر الساعة مما تتوجه النفوس إلى تطلبه .
فقد ورد في الصحيح أن رجلا من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ﴿ يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال رسول الله ماذا أعددت لها ؟ فقال ما أعددت لها كبير عمل إلا أني أحب الله ورسوله فقال أنت مع من أحببت ﴾ .
وعلم الساعة هو علم تحديد وقتها كما ينبىء عنه السؤال ، وقوله : ﴿ لا يجليها لوقتها إلا هو ﴾ ، فإضافة علم إلى ضمير الساعة على تقدير مضاف بينهما أي علم وقتها ، والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله ، وظرفية ( عند ) مجازية استعملت في تحقيق تعلق علم الله بوقتها .
والحصر حقيقي : لأنه الأصل ، ولما دل عليه توكيده بعد في قوله : ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ ، والقصر الحقيقي يشتمل على معنى الإضافي وزيادة ، لأن علم الساعة بالتحديد مقصور على الله تعالى .
والتعريف بوصف الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم إيماء إلى الاستدلال على استئثار الله تعالى بعلم وقت الساعة دون الرسول المسؤول ففيه إيماء إلى خطإهم وإلى شبهة خطإهم .
و ( التجلية ) الكشف ، والمراد بها ما يشمل الكشف بالإخبار والتعيين ، والكشف بالإيقاع ، وكلاهما منفي الإسناد عن غير الله تعالى ، فهو الذي يعلم وقتها ، وهو الذي يظهرها إذا أراد ، فإذا أظهرها فقد أجلاها .
واللام في قوله : ﴿ لوقتها ﴾ للتوقيت كالتي في قوله تعالى : ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ ( الإسراء : 78 ) .
ومعنى التوقيت ، قريب من معنى ( عند ) ، والتحقيق : أن معناه ناشىء عن معنى لام الاختصاص .