والباء في قوله : ﴿ فبأي حديث ﴾ على هذا باء التعدية لتعدية فعل ﴿ يؤمنون ﴾ ، وإن حمل على المجاز شمل القرآن وغيره من دلائل المصنوعات باعتبار أنها من شأنها أن يتحدث الناس بها كما في قوله : ﴿ فبأي حديثث بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ ( الجاثية : 6 ) فيكون الضمير في قوله : ﴿ بعده ﴾ عائدا على معنى المذكور أي ما ذكر من ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله من شيء ، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ، وأفرد الضمير لتأويله بالمذكور كما في قوله تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا في سورة النساء ( 4 ) أي فبأي شيء يستدل عليهم غير ما ذكر بعد أن لم ينتفعوا بدلالة ما ذكر ، ولم يؤمنوا له فلا يرجى منهم إيمان بعد ذلك .
والباء على هذا الوجه للسببية متعلقة بيؤمنون } و ( بعد ) هنا مستعارة لمعنى غير ، لأن الظروف الدالة على المباعدة والمفارقة تستعمل استعمال المغاير قال تعالى : ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ ( الجاثية : 23 ) وحمل ( بعد ) على حقيقتها هنا يحوج إلى تأويل ، ويخرج الكلام عن سواء السبيل .
| 2 ( 186 ) ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم فى طغيانهم يعمهون ﴾ . ) 2
هذه الجملة تعليل للإنكار في قوله : ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ ( الأعراف : 185 ) ، لإفادة أن ضلالهم أمر قدر الله دوامه ، فلا طمع لأحد في هديهم ، ولما كان هذا الحكم حاقا على من اتصف بالتكذيب ، وعدم التفكر في حال الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله ، وفي توقع اقتراب استيصالهم ، كان المحكوم عليهم بعدم الاهتداء فريقا غير معروف للناس ، وإنما ينفرد الله بعلمه ويطلع عليه رسوله عليه الصلاة والسلام ، وينكشف بعض ذلك عند موت بعضهم على الشرك ، وهذه هي المسألة الملقبة بالموافاة عند علماء الكلام .
وعطف جملة : ﴿ ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ على جملة : ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ﴾ للإشارة إلى استمرار ضلالهم وانتفاء هديهم في المستقبل كما وقع في الماضي .
وتفسير : ﴿ نذرهم ﴾ تقدم في قوله تعالى : ﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ﴾