فالمعروف شامل لكل ما تقبله العقول والفطر السليمة ، والمنكر ضده ، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في سورة آل عمران ( 104 ) .
ويجمعها معنى : الفطرة ، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى :
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) ، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية .
والطيبات : جمع طيبة ، وقد روعي في التأنيث معنى الأكيلة ، أو معنى الطعمة ، تنبيها على أن المراد الطيبات من المأكولات ، كما دل عليه قوله في نظائرها نحو : { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في البقرة ( 168 ) وقوله : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات في سورة المائدة ( 4 ) ، وليس المراد الأفعال الحسنة ؛ لأن الأفعال عرفت بوصف المعروف والمنكر . والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر ، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبولها ومرفوضها ، وإنما تمتلك الناس فيها عوائدهم ، ولما كان الإسلام دين الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه ، ناط حال المأكولات بالطيب وحرمتها بالخبث ، فالطيب ما لا ضر فيه ولا وخامة ولا قذارة ، والخبيث ما أضر ، أو كان وخيم العاقبة ، أو كان مستقذرا لا يقبله العقلاء ، كالنجاسة ، وهذا ملاك المباح والمحرم من المآكل ، فلا تدخل العادات إلا في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح ، فقد كانت قريش لا تأكل الضب ، وقد وضع على مائدة رسول الله فكره أن يأكل منه ، وقال : ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافه ولهذا فالوجه : إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح ، وقد يكون مكروها اعتبارا بمضرة خفيفة ، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه ، على الكراهة ، وهو الذي لا ينبغي التردد فيه ، وأي ضر في أكل لحم الأسد ، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية ، لاختلاف عوائد الناس في أكلها وعدمه ، فقد كانت جرم لا يأكلون الدجاج ، وفقعس يأكلون الكلب ، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه ، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة المائدة ، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائع