إلهية خاصة ، وهذا يشبه التفرقة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف كما يؤخذ من حديث الإسراء لما أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناءين أحدهما من لبن والآخر من خمر ، فاختار اللبن ، فقال جبريل : الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر لغوت أمتك ، هذا وقد يمحو الله العقوبة الدنيوية إذا رضي عن الجاني والله ذو فضل عظيم .
والقول في الإشارة من قوله : ﴿ وكذلك ﴾ تقدم في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ في سورة البقرة ( 143 ) ، أي ومثل ذلك الجزاء العظيم نجزي المفترين .
والافتراء الكذب الذي لا شبهة لكاذبه في اختلاقه ، وقد مضى في قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون في سورة المائدة ( 103 ) .
والمراد بالافتراء الاختلاق في أصول الدين بوضع عقائد لا تستند إلى دليل صحيح من دلالة العقل أو من دلالة الوحي ، فإن موسى عليه السلام كان حذرهم من عبادة الأصنام كما حكاه الله فيما مضى في قوله تعالى : وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم . . . } ( الأعراف : 138 140 ) الآيات الثلاث المتقدمة آنفا ، فجعل الله جزاءهم على الافتراء الغضب والذلة ، وذلك إذا فعلوا مثله بعد أن جاءتهم الموعظة من الله ، ولذلك لم يكن مشركو العرب أذلاء ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهداهم فاستمروا على الافتراء عاقبهم الله بالذلة ، فأزال مهابتهم من قلوب العرب ، واستأصلهم قتلا وأسرا ، وسلب ديارهم ، فلما أسلم منهم من أسلموا صاروا أعزة بالإسلام .
ويؤخذ من هذه الآية أن الكذاب يرمى بالمذلة .
وقوله : ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا ﴾ الآية اعتراض بأنهم إن تابوا وآمنوا يغفر الله لهم على عادة القرآن من تعقيب التهديد بالترغيب ، والمغفرة ترجع إلى عدم مؤاخذتهم بذنوبهم في عقاب الآخرة ، وإلى ارتفاع غضب الله عنهم في المستقبل ، والمراد بالسيئات : ما يشمل الكفر ، وهو أعظم السيئات . والتوبة منه هي الإيمان .
وفي قوله : ﴿ من بعدها ﴾ في الموضعين حذف مضاف قبل ما أضيفت إليه ( بعد ) وقد شاع حذفه دل عليه ﴿ عملوا ﴾ أي من بعد عملها ، وقد تقدم الكلام على حذف المضاف مع ( بعد ) و ( قبل ) المضافين إلى مضاف للمضاف إليه عند قوله تعالى : { ثم اتخذتم العجل من بعده في سورة البقرة ( 51 ) .