ذلك يخالف اصطلاح الآخر ، والمسألة طفيفة وإن هولها الفريقان ، واصطلاحنا أسعد بالشريعة وأقرب إلى اللغة ، والمسألة كلها من فروع مسألة التكليف وقدرة المكلف .
وقوله : ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ تفويض لعلم الله ، أي إلا أن يشاء ذلك فهو أعلم بمراده منا ، وإعادة وصف الربوبية إظهار في مقام الإضمار لزيادة إظهار وصفه بالربوبية ، وتأكيد التعريض المتقدم ، حتى يصير كالتصريح .
وانتصب ﴿ علما ﴾ على التمييز المحول عن الفاعل لقصد الإجمال ثم التفصيل للاهتمام .
وانتصب ﴿ كل شيء ﴾ على المفعول به ل ﴿ وسع ﴾ ، أي : وسع علم ربنا كل شيء .
والسعة : مستعملة مجازا في الإحاطة بكل شيء لأن الشيء الواسع يكون أكثر إحاطة .
وفي هذه المجادلة إدماج تعليم بعض صفات الله لأتباعه وغيرهم على عادة الخطباء في انتهاز الفرصة .
ثم أخبر بأنه ومن تبعه قد توكلوا على الله ، والتوكل : تفويض مباشرة صلاح المرء إلى غيره ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله في آل عمران ( 159 ) ، وهذا تفويض يقتضي طلب الخير ، أي : رجونا أن لا يسلبنا الإيمان الحق ولا يفسد خلق عقولنا وقلوبنا فلا نفتن ونضل ، ورجونا أن يكفينا شر من يضمر لنا شرا وذلك شر الكفرة المضمر لهم ، وهو الفتنة في الأهل بالإخراج ، وفي الدين بالإكراه على إتباع الكفر .
وتقديم الجار والمجرور على فعل توكلنا } لإفادة الاختصاص تحقيقا لمعنى التوحيد ونبذ غير الله ، ولما في قوله : ﴿ على الله توكلنا ﴾ من التفويض إليه في كفايتهم أمر أعدائهم ، صرح بما يزيد ذلك بقوله : ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ . وفسروا الفتح هنا بالقضاء والحكم ، وقالوا : هو لغة أزد عمان من اليمن ، أي احكم بيننا وبينهم ، وهي مأخوذة من الفتح بمعنى النصر لأن العرب كانوا لا يتحاكمون لغير السيف ، ويحسبون أن النصر حكم الله للغالب على المغلوب .
وقوله : ﴿ وأنت خير الفاتحين ﴾ هو كقوله : ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ ( الأعراف : 87 ) ، أي