تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعل المسند فعلا ماضيا ، لإفادة أن وصف التكذيب قديم راسخ فيهم ، فكان رسوخ ذلك فيهم سببا في أن خلق الطبع والختم على قلوبهم فلا يشعرون بنقائصهم ، ولا يصلحون أنفسهم ، فلا يزالون متكبرين معرضين غاوين .

ومعنى ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ إنهم ابتدأوا بالتكذيب ، ولم ينظروا ، ولم يهتموا بالتأمل في الآيات فداموا على الكبر وما معه ، فصرف الله قلوبهم عن الانتفاع بالآيات ، وليس المراد الإخبار بأنهم حصل منهم التكذيب ، لأن ذلك قد علم من قوله : ﴿ وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ .

والغفلة انصراف العقل والذهن عن تذكر شيء بقصد أو بغير قصد ، وأكثر استعماله في القرآن فيما كان عن قصد بإعراض وتشاغل ، والمذموم منها ما كان عن قصد ، وهو مناط التكليف والمؤاخذة ، فأما الغفلة عن غير قصد فلا مؤاخذة عليها ، وهي المقصود من قول علماء أصول الفقه : يمتنع تكليف الغافل .

وللتنبيه على أن غفلتهم عن قصد صيغ الإخبار عنهم بصيغة ﴿ كانوا عنها غافلين ﴾ للدلالة على استمرار غفلتهم . وكونها دأبا لهم ، وإنما تكون كذلك إذا كانوا قد التزموها ، فأما لو كانت عن غير قصد . فإنها قد تعتريهم وقد تفارقهم .

| 2 ( 147 ) ﴿ والذين كذبوا بئاياتنا ولقآء الاخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ . ) 2

يجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على جملة ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ ( الأعراف : 146 ) إلى آخر الآيات على الوجهين السابقين ويجوز أن يكون معطوفة على جملة ﴿ ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ ( الأعراف : 146 ) ، ويجوز أن تكون تذييلا معترضا بين القصتين وتكون الواو اعتراضية ، وأيا ما كان فهي آثارها الإخبار عنهم بأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، فإن ذلك لما كان هو الغالب على المتكبرين الجاحدين للآيات ، وكأن لا تخلو جماعة المتكبرين من فريق قليل يتخذ سبيل الرشد عن حلم وحب للمحمدة ، وهم بعض سادة المشركين وعظماؤهم في كل عصر ، كانوا قد يحسب السامع أن ستنفعهم أعمالهم ، أزيل هذا التوهم بأن أعمالهم لا تنفعهم مع التكذيب بآيات الله

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ١٠٧