هنا صرف تكويني في نفوس الأقوام ، وعن الحسن : أن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى حد إذا وصل إليه مات قلبه .
وفي قص الله تعالى هذا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلم تعريض بكفار العرب بأن الله دافعهم عن تعطيل آياته ، وبأنه مانع كثيرا منهم عن الإيمان بها لما ذكرناه آنفا .
ويجوز أن تكون جملة ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ من خطاب الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم روى الطبري ذلك عن سفيان بن عيينة ، فتكون الجملة معترضة في أثناء قصة بني إسرائيل بمناسبة قوله : ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ ( الأعراف : 145 ) تعريضا بأن حال مشركي العرب كحال أولئك الفاسقين ، وتصريحا بسبب إدامتهم العناد والإعراض عن الإيمان ، فتكون الجملة مستأنفة استينافا ابتدائيا ، وتأتي في معنى الصرف عن الآيات الوجوه السابقة واقتران فعل ﴿ سأصرف ﴾ بسين الاستقبال القريب تنبهه على أن الله يعجل ذلك الصرف .
وتقديم المجرور على مفعول ﴿ أصرف ﴾ للاهتمام بالآيات ، ولأن ذكره عقب الفعل المتعلق هو به أحسن .
وتعريف المصروفين عن الآيات بطريق الموصولية للإيماء بالصلة إلى علة الصرف . وهي ما تضمنته الصلات المذكورة ، لأن من صارت تلك الصفات حالات له ينصره الله ، أو لأنه إذا صار ذلك حاله رين على قلبه ، فصرف قلبه عن إدراك دلالة الآيات وزالت منه الأهلية لذلك الفهم الشريف .
والأوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتم الانطباق .
والتكبر الاتصاف بالكبر . وقد صيغ له الصيغة الدالة على التكلف ، وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : ﴿ أبى واستكبر ﴾ ( البقرة : 34 ) وقوله : { استكبرتم في سورة البقرة ( 87 ) ، والمعنى : أنهم يعجبون بأنفسهم ، ويعدون أنفسهم عظماء فلا يأتمرون لآمر ، ولا ينتصحون لناصح .
وزيادة قوله : في الأرض } لتفضيح تكبرهم ، والتشهير بهم بأن كبرهم مظروف في الأرض ، أي ليس هو خفيا مقتصرا على أنفسهم ، بل هو مبثوث في الأرض ، أي