ومعنى تزيين ذلك هنا أنهم خيلوا لهم فوائد وقربا في هذا القتل ، بأن يلقوا إليهم مضرة الاستجداء والعار في النساء ، وأن النساء لا يرجى منهن نفع للقبيلة ، وأنهن يجبن الآباء عند لقاء العدو ، ويؤثرن أزواجهن على آبائهن ، فقتلهن أصلح وأنفع من استبقائهن ، ونحو هذا من الشبه والتمويهات ، فيأتونهم من المعاني التي تروج عندهم ، فإن العرب كانوا مفرطين في الغيرة ، والجموح من الغلب والعار كما قال النابغة :
حذارا على أن لا تنال مقادتي
ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
وإنما قال : لكثير من المشركين } لأن قتل الأولاد لم يكن يأتيه جميع القبائل ، وكان في ربيعة ومضر ، وهما جمهرة العرب ، وليس كل الآباء من هاتين القبيلتين يفعله .
وأسند التزيين إلى الشركاء : إما لإرادة الشياطين الشركاء ، فالتزيين تزيين الشياطين بالوسوسة ، فيكون الإسناد حقيقة عقلية ، وإما لأن التزيين نشأ لهم عن إشاعة كبرائهم فيهم ، أو بشرع وضعه لهم من وضع عبادة الأصنام وفرض لها حقوقا في أموالهم مثل عمرو بن لحي ، فيكون إسناد التزيين إلى الشركاء مجازا عقليا لأن الأصنام سبب ذلك بواسطة أو بواسطتين ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ﴾ ( هود : 101 ) .
والمعني بقتل الأولاد في هذه الآية ونحوها هو الوأد ، وهو دفن البنات الصغيرات أحياء فيمتن بغمة التراب ، كانوا يفعلون ذلك خشية الفقر ، كما قال تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ ( الإسراء : 31 ) ، وخشية أن تفتضح الأنثى بالحاجة إذا هلك أبوها ، أو مخافة السباء ، وذكر في ( الروض الأنف ) عن النقاش في ( تفسيره ) : أنهم كانوا يئدون من البنات من
والمراد بقوم يعلمون } الثناء على المسلمين الذين فهموا الآيات وشكروا عليها ، والتعريض بجهل وضلال عقول المشركين الذين استمروا على عنادهم وضلالهم ، رغم ما فصل لهم من الآيات .
| 2 ( 33 ) ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ . ) 2
لما أنبأ قوله : ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ﴾ ( الأعراف : 32 ) إلى آخره ، بأن أهل الجاهلية حرموا من الزينة والطيبات من الرزق ، وأنبأ قوله تعالى قبل ذلك ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ﴾ ( الأعراف : 28 ) بأن أهل الجاهلية يعزون ضلالهم في الدين إلى الله ، فأنتج ذلك أنهم ادعوا أن ما حرموه من الزينة والطيبات قد حرمه الله عليهم ، أعقب مجادلتهم ببيان ما حرمه الله حقا وهم ملتبسون به وعاكفون على فعله .
فالقصر المفاد من ﴿ إنما ﴾ قصر إضافي مفاده أن الله حرم الفواحش وما ذكر معها لا ما حرمتموه من الزينة والطيبات ، فأفاد إبطال اعتقادهم ، ثم هو يفيد بطريق التعريض أن ما عده الله من المحرمات الثابت تحريمها قد تلبسوا بها ، لأنه لما عد أشياء ، وقد علم الناس أن المحرمات ليست محصورة فيها ، علم السامع أن ما عينه مقصود به تعيين ما تلبسوا به فحصل بصيغة القصر رد عليهم من جانبي ما في صيغة ( إنما ) من إثبات ونفي : إذ هي بمعنى ( ما وإلا ) ، فأفاد تحليل ما زعموه حراما وتحريم ما استباحوه من الفواحش وما معها .