تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| 2 ( 135 ) قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } . ) 2

استئناف ابتدائي بعد قوله : ﴿ إن ما توعدون آت ﴾ ( الأنعام : 134 ) فإن المقصود الأول منه هو وعيد المشركين ، كما مر ، فأعقبه بما تمحض لوعيدهم : وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتهديد ، ليملي لهم في ضلالهم إملاء يشعر ، في متعارف التخاطب ، بأن المأمور به مما يزيد المأمور استحقاقا للعقوبة ، واقترابا منها . أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يناديهم ويهددهم . وأمر أن يبتدىء خطابهم بالنداء للاهتمام بما سيقال لهم ، لأن النداء يسترعي إسماع المنادين ، وكان المنادي عنوان القوم لما يشعر به من أنه قد رق لحالهم حين توعدهم بقوله : ﴿ إن ما توعدون لآتت وما أنتم بمعجزين ﴾ ( الأنعام : 134 ) لأن الشأن أنه يحب لقومه ما يحب لنفسه .

والنداء : للقوم المعاندين بقرينة المقام ، الدال على أن الأمر للتهديد ، وأن عملهم مخالف لعمله ، لقوله : ﴿ اعملوا ﴾ مع قوله ﴿ إني عامل ﴾ .

فالأمر في قوله : ﴿ اعملوا ﴾ للتسوية والتخلية لإظهار اليأس من امتثالهم للنصح بحيث يغير ناصحهم نصحهم إلى الإطلاق لهم فيما يحبون أن يفعلوا ، كقوله تعالى : ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ ( فصلت : 40 ) وهذا الاستعمال استعارة إذ يشبه المغضوب عليه المأيوس من ارعوائه بالمأمور بأن يفعل ما كان ينهى عنه ، فكأن ذلك المنهي صار واجبا ، وهذا تهكم .

والمكانة : المكان ، جاء على التأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام ، والدارة اسما للدار ، والماءة للماء الذي ينزل حوله ، يقال : أهل الماء وأهل الماءة . والمكانة هنا مستعارة للحالة التي تلبس بها المرء ، تشبه الحالة في إحاطتها وتلبس صاحبها بها بالمكان الذي يحوي الشيء ، كما تقدم

و ﴿ فريقا ﴾ الأول والثاني منصوبان على الحال : إما من الضمير المرفوع في ﴿ تعودون ﴾ ، أي ترجعون إلى الله فريقين ، فاكتفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلهما بالتفصيل الدال على الإجمال تعجيلا بذكر التفصيل لأن المقام مقام ترغيب وترهيب ، ومعنى ﴿ فريقا هدى ﴾ : أن فريقا هداهم الله في الدنيا وفريقا حق عليهم الضلالة ، أي في الدنيا ، كما دل عليه التعليل بقوله : ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ ، وإما من الضمير المستتر في قوله : ﴿ مخلصين ﴾ أي ادعوه مخلصين حال كونكم فريقين : فريقا هداه الله للإخلاص ونبذ الشرك ، وفريقا دام على الضلال ولازم الشرك .

وجملة : ﴿ هدى ﴾ في موضع الصفة لفريقا الأول ، وقد حذف الرابط المنصوب : أي هداكم الله ، وجملة : ﴿ حق عليهم الضلالة ﴾ صفة ﴿ فريقا ﴾ الثاني .

وهذا كله إنذار من الوقوع في الضلالة ، وتحذير من اتباع الشيطان ، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى ، كما دل عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله : ﴿ هدى ﴾ فيعلم السامعون أنهم إذا رجعوا إليه فريقين كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى كما قال : ﴿ أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ﴾ ( المجادلة : 22 ) وأن الفريق الخاسر هم الذين حقت عليه الضلالة واتخذوا الشياطين أولياء من دون الله كما قال : ﴿ أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾ ( المجادلة : 19 ) . وتقديم { فريقا الأول والثاني على عامليهما للاهتمام بالتفصيل .

ومعنى : حق عليهم الضلالة } ثبتت لهم الضلالة ولزموها . ولم يقلعوا عنها ، وذلك أن المخاطبين كانوا مشركين كلهم ، فلما أمروا بأن يعبدوا الله مخلصين افترقوا فريقين : فريقا هداه الله إلى التوحيد ، وفريقا لازم الشرك والضلالة ، فلم يطرأ عليهم حال جديد . وبذلك يظهر حسن موقع لفظ : ﴿ حق ﴾ هنا دون أن يقال أضله الله ، لأن ضلالهم قديم مستمر اكتسبوه لأنفسهم ، كما قال تعالى في نظيره : ﴿ فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عيله الضلالة ﴾ ( النحل : 36 ) ثم قال { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٩٠