| 2 ( 134 ) ﴿ إن ما توعدون لأت ومآ أنتم بمعجزين ﴾ . ) 2
هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ ( الأنعام : 133 ) فإن المشيئة تشتمل على حالين : حالل ترك إهلاكهم ، وحالل إيقاعه ، فأفادت هذه الجملة أن مشيئة الله تعلقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب ، ولك أن تجعل الجملة استئنافا بيانيا : جوابا عن أن يقول سائل من المشركين ، متوركا بالوعيد : إذا كنا قد أمهلنا وأخر عنا الاستئصال فقد أفلتنا من الوعيد ، ولعله يلقاه أقوام بعدنا ، فورد قوله : ﴿ إن ما توعدون لأت ﴾ مورد الجواب عن هذا السؤال الناشىء عن الكلام السابق بتحقيق أن ما أوعد به المشركون ، واقع لا محالة وإن تأخر .
والتأكيد ب ﴿ أن ﴾ مناسب لمقام المتردد الطالب ، وزيادة التأكيد بلام الابتداء لأنهم متوغلون في إنكار تحقق ما أوعدوا به من حصول الوعيد واستسخارهم به ، فإنهم قالوا : ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ ( الأنفال : 32 ) إ فحاما للرسول صلى الله عليه وسلم وإظهارا لتخلف وعيده .
وبناء ﴿ توعدون ﴾ للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وعد يعد ، أو مضارع أوعد ، يوعد والمتبادر هو الأول . ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول ، ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين ، ولو بني للمعلوم لتعين فيه أحد الأمرين : بأن يقال : إن ما نعدكم ، أو إن ما نوعدكم ، وهذا من بديع التوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كل فريق من السامعين ما يليق بحاله ، ومعلوم أن وعيد المشركين يستلزم وعدا للمؤمنين ، والمقصود الأهم هو وعيد المشركين ، فلذلك عقب الكلام بقوله : ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فذلك كالترشيح لأحد المحتملين من الكلام الموجه .
مقصود هنا لشمول اللفظ إياه ، ولدلالة السياق عليه بتكرير الامتنان والأمر باللباس : ابتداء من قوله : ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ ( الأعراف : 20 ) إلى هنا .
ومعنى : ﴿ عند كل مسجد ﴾ عند كل مكان متخذ لعبادة الله تعالى ، واسم المسجد منقول في الإسلام للمكان المعين المحدود المتخذ للصلاة وتقدم عند قوله تعالى : ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام في سورة العقود ( 2 ) ، فالشعائر التي يوقعون فيها أعمالا من الحج كلها مساجد ، ولم يكن لهم مساجد غير شعائر الحج ، فذكر المساجد في الآية يعين أن المراد إقامة الوجوه عند التوجه إلى الله في الحج بأن لا يشركوا مع الله في ذلك غيره من أصنامهم بالنية ، كما كانوا وضعوا ( هبل ) على سطح الكعبة ليكون الطواف بالكعبة لله ولهبل ، ووضعوا ( إسافا ونائلة ) على الصفا والمروة ليكون السعي لله ولهما . وكان فريق منهم يهلون إلى ( مناة ) عند ( المشلل ) ، فالأمر بإقامة الوجوه عند المساجد كلها أمر بالتزام التوحيد وكمال الحال في شعائر الحج كلها ، فهذه مناسبة عطف قوله : وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ﴾ عقب إنكار أن يأمر الله بالفحشاء من أحوالهم ، وإثبات أنه أمر بالقسط مما يضادها . وهذا الأمر وإن كان المقصود به المشركين لأنهم المتصفون بضده ، فللمؤمنين منه حظ الدوام عليه ، كما كان للمشركين حظ الإعراض عنه والتفريط فيه .
والدعاء في قوله : ﴿ وادعوه مخلصين له الدين ﴾ بمعنى العبادة أي اعبدوه كقوله : ﴿ إن الذين تدعون من دون الله ﴾ ( الأعراف : 194 ) . والإخلاص تمحيض الشيء من مخالطة غيره . والدين بمعنى الطاعة من قولهم دنت لفلان أي أطعته .