احتراس على قوله : ﴿ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ﴾ ( الأنعام : 131 ) للتنبيه على أن الصالحين من أهل القرى الغالبب على أهلها الشرك والظلم لا يحرمون جزاء صلاحهم .
والتنوين في : ﴿ ولكل ﴾ عوض عن المضاف إليه : أي ولكلهم ، أي كل أهل القرى المهلكة درجات . يعني أن أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة . فالمؤمنون منهم لا يضاع إيمانهم . والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة . بعد أن عذبوا في الدنيا . فالله قد ينجي المؤمنين من أهل القرى قبل نزول العذاب . فتلك درجة نالوها في الدنيا ، وهي درجة إظهار عناية الله بهم ، وترفع درجتهم في الآخرة . والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثم يصيرون إلى عذاب الآخرة . وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثم يصيرون إلى النعيم فيظهر تفاوت درجاتهم في الآخرة ، وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى : ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ ( الأنفال : 25 ) روى البخاري ، ومسلم ، عن ابن عمر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم ) . وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البيهقي في ( الشعب ) مرفوعا أن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهلل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم ، صححه ابن حبان . وفي ( صحيح البخاري ) ، من حديث زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج هكذا وعقد تسعين ( أي عقد أصبعين بعلامة تسعين في الحساب المعبر عنه بالعقد بضم العين وفتح القاف ) قيل : أنهلك وفينا الصالحون ، قال : نعم إذا كثر الخبث ) .
والدرجات هي ما يرتقى عليه من أسفل إلى أعلى ، في سلم أو بناء ، وإن قصد بها النزول إلى محل منخفض من جب أو نحوه فهي دركات ،
لأنفسهم واعتذروا لآبائهم ، فمعنى قولهم : ﴿ والله أمرنا بها ﴾ ليس ادعاء بلوغ أمر من الله إليهم ولكنهم أرادوا أن الله أمر آباءهم الذين رسموا تلك الرسوم وسنوها فكان أمر الله آباءهم أمرا لهم ، لأنه أراد بقاء ذلك في ذرياتهم ، فهذا معنى استدلالهم ، وقد أجمله إيجاز القرآن اعتمادا على فطنة المخاطبين .
وأسند الفعل والقول إلى ضمير الذين لا يؤمنون في قوله : ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا ﴾ : على معنى الإسناد إلى ضمير المجموع ، وقد يكون القائل غير الفاعل ، والفاعل غير قائل ، اعتدادا بأنهم لما صدق بعضهم بعضا في ذلك فكأنهم فعلوه كلهم واعتذروا عنه كلهم .
وأفاد الشرط ربطا بين فعلهم الفاحشة وقولهم : ﴿ وجدنا عليها آباءنا ﴾ باعتبا إيجاز في الكلام يدل عليه السياق ، إذ المفهوم أنهم إذا فعلوا فاحشة فأنكرت عليهم أو نهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا ، وليس المراد بالإنكار والنهي خصوص نهي الإسلام إياهم عن ضلالهم ، ولكن المراد نهي أي ناه وإنكار أي منكر ، فقد كان ينكر عليهم الفواحش من لا يوافقونهم عليها من القبائل ، فإن دين المشركين كان أشتاتا مختلفا ، وكان ينكر عليهم ذلك من خلعوا الشرك من العرب مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية ابن أبي الصلت ، وقد قال لهم زيد بن عمرو : ( إن الله خلق الشاة وأنزل لها الماء من السماء وأنبت لها العشب ثم أنتم تذبحونها لغيره ) وكان ينكر عليهم من يتحرج من أفعالهم ثم لا يسعه إلا اتباعهم فيها إكراها .
وكان ينكر عليهم من لا توافق أعمالهم هواه : كما وقع لامرىء القيس ، حيث عزم على قتال بني أسد بعد قتلهم أباه حجرا ، فقصد ذا الخلصة صنم خثعم واستقسم عنده بالأزلام فخرج له الناهي فكسر الأزلام وقال :
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا
مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا