ومعنى : ﴿ استمتع بعضنا ببعض ﴾ انتفع وحصل شهوته وملائمه : أي استمتع الجن بالإنس ، وانتفع الإنس بالجن ، فكل بعض مراد به أحد الفريقين لأنه بعض مجموع الفريقين . وإنما قالوا : استمتع بعضنا ببعض ، ولم يكن الإنس هم المخاطبين بالتوبيخ ، لأنهم أرادوا الاعتذار عن أوليائهم من الجن ودفع التوبيخ عنهم ، بأن الجن لم يكونوا هم المستأثرين بالانتفاع بتطويع الإنس ، بل نال كل من الفريقين انتفاعا بصاحبه ، وهؤلاء المعتذرون يحتمل أنهم أرادوا مشاطرة الجناية إقرارا بالحق ، وإخلاصا لأوليائهم ، أو أرادوا الاعتذار عن أنفسهم لما علموا من أن توبيخ الجن المغوين يعرض بتوبيخ المغوين بفتح الواو . فأقروا واعتذروا بأن ما فعلوه لم يكن تمردا على الله ، ولا استخفافا بأمره ، ولكنه كان لإرضاء الشهوات من الجانبين ، وهي المراد بالاستمتاع .
ولكونهم ليسوا بمخاطبين ابتداء . وكون كلامهم دخيلا في المخاطبة ، لم تفصل جملة قولهم كما تفصل جملة المحاورة في السؤال والجواب ، بل عطفت على جملة القول المقدر لأنها قول آخر عرض في ذلك اليوم .
وجيء في حكاية قولهم بفعل ﴿ وقال أولياؤهم ﴾ مع أنه مستقبل من أجلل قوله : ﴿ يحشرهم ﴾ تنبيها على تحقيق وقوعه ، فيعلم من ذلك التنبيه على تحقيق الخبر كله ، وأنه واقع لا محالة ، إذ لا يكون بعضه محققا وبعضه دون ذلك .
واستمتاع الإنس بالجن هو انتفاعهم في العاجل : بتيسير شهواتهم ، وفتح أبواب اللذات والأهواء لهم ، وسلامتهم من بطشتهم . واستمتاع الجن بالإنس : هو انتفاع الجن بتكثير أتباعهم من أهل الضلالة ، وإعانتهم على إضلال الناس ، والوقوف في وجه دعاة الخير ، وقطع سبيل الصلاح ، فكل من الفريقين أعان الآخر على تحقيق ما في نفسه مما فيه ملائم طبعه وارتياحه لقضاء وطره .
وعطفت جملة : ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ على جملة : ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ .
والمستقر مصدر ميمي والاستقرار هو المكث وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى : ﴿ لكل نبإ مستقر ﴾ ( الأنعام : 67 ) وقوله { فمستقر ومستودع في سورة الأنعام ( 98 ) .
والمراد به الوجود أي وجود نوع الإنسان وبخصائصه وليس المراد به الدفن كما فسر به بعض المفسرين لأن قوله ومتاع يصد عن ذلك ولأن الشياطين والجن لا يدفنون في الأرض .
والمتاع والتمتع : نيل الملذات والمرغوبات غير الدائمة ، ويطلق المتاع على ما يتمتع به وينتفع به من الأشياء ، وتقدم في قوله تعالى : لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم في سورة النساء ( 102 ) .
والحين المدة من الزمن ، طويلة أو قصيرة ، وقد نكر هنا ولم يحدد لاختلاف مقداره باختلاف الأجناس والأفراد ، والمراد به زمن الحياة التي تخول صاحبها إدراك اللذات ، وفيه يحصل بقاء الذات غير متفرقة ولا متلاشية ولا معدومة ، وهذا الزمن المقارن لحالة الحياة والإدراك هو المسمى بالأجل ، أي المدة التي يبلغ إليها الحي بحياته في علم الله تعالى وتكوينه ، فإذا انتهى الأجل وانعدمت الحياة انقطع المستقر والمتاع ، وهذا إعلام من الله بما قدره للنوعين ، وليس فيه امتنان ولا تنكيل بهم .
| 2 ( 25 ) قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } . ) 2
أعيد فعل القول في هذه الجملة مستأنفا غير مقترن بعاطف ، ولا مستغنى عن فعل القول بواو عطف ، مع كون القائل واحدا ، والغرضض متحدا ، خروجا عن مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر في مثله هو العطف ، وقد أهمل توجيه ترك العطف جمهور الحذاق من المفسرين : الزمخشري وغيره ، ولعله رأى ذلك أسلوبا من أساليب الحكاية ، وأول من رأيته حاول توجيه ترك العطف هو الشيخ محمد بن عرفة التونسي في ( املاءات التفسير ) المروية