لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولت فبالأشرار تنقاد
وتقديم قوله : ﴿ في كل قرية ﴾ للغرض المذكور في تقديمه للاحتمال الأول . وفي هذا الاحتمال إيذان بغلبة الفساد عليهم ، وتفاقم ضره ، وإشعار بضرورة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك القرية ، وإيذان باقتراب زوال سيادة المشركين إذ تولاها المجرمون لأن بقاءهم على الشرك صيرهم مجرمين بين من أسلم منهم .
ولعل كلا الاحتمالين مراد من الكلام ليفرض السامعون كليهما ، وهذا من ضروب إعجاز القرآن كما تقدم عند قوله تعالى : ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ﴾ ( الأنعام : 114 ) .
واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ لام التعليل ، فإن من جملة مراد الله تعالى من وضع نظام وجود الصالح والفاسد ، أن يعمل الصالح للصلاح ، وأن يعمل الفاسد للفساد ، والمكر من جملة الفساد ، ولام التعليل لا تقتضي الحصر ، فلله تعالى في إيجاد أمثالهم حكم جمة ، منها هذه الحكمة ، فيظهر بذلك شرف الحق والصلاح ويسطع نوره ، ويظهر اندحاض الباطل بين يديه بعد الصراع الطويل ؛ ويجوز أن تكون اللام المسماة لام العاقبة ، وهي في التحقيق استعارة اللام لمعنى فاء التفريع كالتي في قوله تعالى : ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ﴾ ( القصص : 8 ) .
ودخلت مكة في عموم : ﴿ كل قرية ﴾ وهي المقصود الأول ، لأنها القرية الحاضرة التي مكر فيها ، فالمقصود الخصوص . والمعنى : وكذلك جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها كما جعلنا في كل قرية مثلهم ، وإنما عمم الخبر لقصد تذكير المشركين في مكة بما حل بالقرى من قبلها ، مثل قرية : الحجر ، وسبا ، والرس ، كقوله : ﴿ تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا ﴾ ( الأعراف : 101 ) ،
وبه سيتضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشياطين وبين البشر الذين استحبوا الضلال والكفر على الإيمان والصلاح .
وجملة : ﴿ ثم لأتيناهم ﴾ ( ثم ) فيها للترتيب الرتبي ، وهو التدرج في الأخبار إلى خبر أهم لأن مضمون الجملة المعطوفة أوقع في غرض الكلام من مضمون الجملة المعطوف عليها ، لأن الجملة الأولى أفادت الترصد للبشر بالإغواء ، والجملة المعطوفة أفادت التهجم عليهم بشتى الوسائل .
وكما ضرب المثل لهيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق ، كذلك مثلت هيئة التوسل إلى الإغواء بكل وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدو إذ يأتيه من كل جهة حتى يصادف الجهة التي يتمكن فيها من أخذه ، فهو يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى تخور قوة مدافعته ، فالكلام تمثيل ، وليس للشيطان مسلك للإنسان إلا من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة في نفسه ، وليست الجهات الأربع المذكوره في الآية بحقيقه ، ولكنها مجاز تمثيلي بما هو متعارف في محاولة الناس ومخاتلتهم ، ولذلك لم يذكر في الآية الإتيان من فوقهم ومن تحتهم إذ ليس ذلك من شأن الناس في المخاتلة وإلا المهاجمة .
وعلق ﴿ بين أيديهم ﴾ و ﴿ خلفهم ﴾ بحرف ( من ) وعلق ﴿ أيمانهم ﴾ و ﴿ شمالهم ﴾ بحرف عن جريا على ما هو شائع في ( لسان العرب ) في تعدية الأفعال إلى أسماء الجهات ، وأصل ( عن ) في قولهم : عن يمينه وعن شماله المجاوزة : أي من جهة يمينه مجاوزا له ومجافيا له ، ثم شاع ذلك حتى صارت ( عن ) بمعنى على ، فكما يقولون : جلس على يمينه يقولون : جلس عن يمينه ، وكذلك ( من ) في قولهم من بين يديه أصلها الابتدا يقال : أتاه من بين يديه ، أي من المكان المواجه له ، ثم شاع ذلك حتى صارت ( من ) بمنزلة الحرف الزائد يجر بها الظرف فلذلك جرت بها الظروف الملازمة للظرفية مثل عند ، لأن