لا ينصب بنفسه مفعولا به لضعف شبهه بالفعل ، بل إنما يتعدى إلى المفعول بالباء أو باللام أو بإلى ، ونصبه المفعول نادر ، وحقه هنا أن يعدى بالباء ، فحذفت الباء ايجاز حذف ، تعويلا على القرينة . وإنما حذف الحرف من الجملة الأولى ، وأظهر في الثانية ، دون العكس ، مع أن شأن القرينة أن تتقدم ، لأن أفعل التفضيل يضاف إلى جمعع يكون المفضل واحدا منهم ، نحو : هو أعلم العلماء وأكرم الأسخياء ، فلما كان المنصوبانن فيهما غير ظاهر عليهما الإعراب ، يلتبس المفعول بالمضاف إليه ، وذلك غير ملتبس في الجملة الأولى ، لأن الصلة فيها دالة على أن المراد أن الله أعلم بهم ، فلا يتوهم أن يكون المعنى : الله أعلم الضالين عن سبيله ، أي أعلم عالمم منهم ، إذ لا يخطر ببال سامع أن يقال : فلان أعلم الجاهلين ، لأنه كلام متناقض ، فإن الضلال جهالة ، ففساد المعنى يكون قرينة على إرادة المعنى المستقيم ، وذلك من أنواع القرينة الحالية ، بخلاف ما لو قال : وهو أعلم المهتدين ، فقد يتوهم السامع أن المراد أن الله أعلم المهتدين ، أي أقوى المهتدين علما ، لأن الاهتداء من العلم . هذا ما لاح لي في نكتة تجريد قوله : ﴿ هو أعلم من يضل عن سبيله ﴾ من حرف الجر الذي يتعدى به ﴿ أعلم ﴾ .
| 2 ( 118 ) ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ . ) 2
هذا تخلص من محاجة المشركين وبيان ضلالهم ، المذيل بقوله : ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ ( الأنعام : 117 ) . انتقل الكلام من ذلك إلى تبيين شرائع هدى للمهتدين ، وإبطالل شرائع شرعها المضلون ، تبيينا يزيل التشابه والاختلاط . ولذلك خللت الأحكام المشروعة للمسلمين ، بأضدادها التي كان شرعها المشركون وسلفهم .
وما تشعر به الفاء من التفريع يقضي باتصال هذه الجملة بالتي قبلها ، ووجه ذلك : أن قوله تعالى : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن
ما تعارفه أهل اللغة ، فما جاء منها بصيغة المصدر غير متعلق بفعل يقتضي آلة فحمله على المجاز المشهور كقوله تعالى : ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ ( الكهف : 105 ) . وما جاء منها على صيغة الاسماء فهو محتمل مثل ما هنا لقوله : ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ إلخ ومثل قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ) وما تعلق بفعل مقتض آلة فحمله على التمثيل أو على مخلوق من أمور الآخرة مثل قوله تعالى : ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ ( الأنبياء : 47 ) . وقد ورد في السنة ذكر الميزان في حديث البطاقة التي فيها كلمة شهادة الإسلام ، عند الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وحديث قول النبيء صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك : ( فاطلبني عند الميزان ) خرجه الترمذي .
وقد اختلف السلف في وجود مخلوق يبين مقدار الجزاء من العمل يسمى بالميزان توزن فيه الأعمال حقيقة ، فاثبت ذلك الجمهور ونفاه جماعة منهم الضحاك ومجاهد والأعمش ، وقالوا : هو القضاء السوي ، وقد تبع اختلافهم المتأخرون فذهب جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة إلى تفسير الجمهور ، وذهب بعض الأشاعرة المتأخرين وجمهور المعتزلة إلى ما ذهب إليه مجاهد والضحاك والأعمش ، والأمر هين ، والاستدلال ليس ببين والمقصود المعنى وليس المقصود آلته .
والإخبار عن الوزن بقوله : ﴿ الحق ﴾ إن كان الوزن مجازا عن تعيين مقادير الجزاء فالحق بمعنى العدل ، أي الجزاء عادل غير جائز ، لأنه من أنواع القضاء والحكم ، وإن كان الوزن تمثيلا بهيئة الميزان ، فالعدل بمعنى السوي ، أي والوزن يومئذ مساو للأعمال لا يرجح ولا يحجف .
وعلى الوجهين فالإخبار عنه بالمصدر مبالغة في كونه محقا .
وتفرع على كونه الحق قوله : ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ﴾ ، فهو تفصيل للوزن ببيان أثره على قدر الموزون . ومحل التفريع هو قوله : ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ وقوله : فأولئك الذين خسروا أنفسهم إذ ذلك