كان بمعنى الإيقان بأن الله أمر أو نهى ، فذلك نادر في معظم مسائل التشريع ، عدا ما علم من الدين بالضرورة أو حصل لصاحبه بالحس ، وهو خاص بما تلقاه بعض الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ، أو حصل بالتواتر . وهو عزيز الحصول بعد عصر الصحابة والتابعين ، كما علم من أصول الفقه .
وجملة : ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ استئناف بياني ، نشأ عن قوله : ﴿ يضلوك عن سبيل الله ﴾ فبين سبب ضلالهم : أنهم اتبعوا الشبهة ، من غير تأمل في مفاسدها ، فالمراد بالظن ظن أسلافهم ، كما أشعر به ظاهر قوله : ﴿ يتبعون ﴾ .
وجملة ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ عطف على جملة : ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ . ووجود حرف العطف يمنع أن تكون هذه الجملة تأكيدا للجملة التي قبلها ، أو تفسيرا لها ، فتعين أن المراد بهذه الجملة غير المراد بجملة : ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ .
وقد ترددت آراء المفسرين في محمل قوله : ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ ؛ فقيل : يخرصون يكذبون فيما ادعوا أن ما اتبعوه يقين ، وقيل : الظن ظنهم أن آباءهم على الحق . والخرص : تقديرهم أنفسهم على الحق .
والوجه : أن محمل الجملة الأولى على ما تلقوه من أسلافهم ، كما أشعر به قوله : ﴿ يتبعون ﴾ ، وأن محمل الجملة الثانية على ما يستنبطونه من الزيادات على ما ترك لهم أسلافهم وعلى شبهاتهم التي يحسبونها أدلة مفحمة ، كقولهم : ( كيف نأكل ما قتلناه وقتله الكلب والصقر ، ولا نأكل ما قتله الله ) كما تقدم آنفا ، كما أشعر به فعل : ﴿ يخرصون ﴾ من معنى التقدير والتأمل .
جرم أن يسأل عن ذلك المرسل إليهم ، ولما كان المقصود الأهم من السؤال هو الأمم ، لإقامة الحجة عليهم في استحقاق العقاب ، قدم ذكرهم على ذكر الرسل ، ولما تدل عليه صلة ( الذي ) وصلة ( ال ) من أن المسؤول عنه هو ما يتعلق بأمر الرسالة ، وهو سؤال الفريقين عن وقوع التبليغ .
ولما دل على هذا المعنى التعبير : ب ﴿ الذين أرسل إليهم ﴾ والتعبير : ب ﴿ المرسلين ﴾ لم يحتج إلى ذكر جواب المسؤولين لظهور أنه إثبات التبليغ والبلاغ .
والفاء في قوله : ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ للتفريع والترتيب على قوله : ﴿ فلنسألن ﴾ ، أي لنسألنهم ثم نخبرهم بتفصيل ماأجمله جوابهم ، أي فلنقصن عليهم تفاصيل أحوالهم ، أي فعلمنا غني عن جوابهم ولكن السؤال لغرض آخر .
وقد دل على إرادة التفصيل تنكير علم في قوله : ﴿ بعلم ﴾ أي علم عظيم ، فإن تنوين ( علم ) للتعظيم ، وكمال العلم إنما يظهر في العلم بالأمور الكثيرة ، وزاد ذلك بيانا قوله : ﴿ وما كنا غائبين ﴾ الذي هو بمعنى : لا يعزب عن علمنا شيء يغيب عنا ونغيب عنه .
والقص : الاخبار ، يقال : قص عليه ، بمعنى أخبره ، وتقدم في قوله تعالى : ﴿ يقص الحق ﴾ في سورة الأنعام ( 57 ) .
وجملة : ﴿ وما كنا غائبين ﴾ معطوف على ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ ، وهي في موقع التذييل .
والغائب ضد الحاضر ، وهو هنا كناية عن الجاهل ، لأن الغيبة تستلزم الجهالة عرفا ، أي الجهالة بأحوال المغيب عنه ، فإنها ولو بلغته