تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا } ( فاطر : 43 ) فتكون هذه الآية في معنى قوله : ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ﴾ ( الأنعام : 34 ) . ففيها تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وتطمين له وللمؤمنين بحلول النصر الموعود به في إبانه .

وقوله : ﴿ وهو السميع العليم ﴾ تذييل لجملة : ﴿ وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ﴾ أي : وهو المطلع على الأقوال ، العليم بما في الضمائر ، وهذا تعريض بالوعيد لمن يسعى لتبديل كلماته ، فالسميع العالم بأصوات المخلوقات ، التي منها ما توحي به شياطين الإنس والجن ، بعضهم إلى بعض ، فلا يفوته منها شيء ؛ والعالم أيضا بمن يريد أن يبدل كلمات الله ، على المعاني المتقدمة ، فلا يخفى عليه ما يخوضون فيه : من تبييت الكيد والإبطال له .

والعليم أعم ، أي : العليم بأحوال الخلق ، والعليم بمواقع كلماته ، ومحال تمامها ، والمنظم بحكمته لتمامها ، والموقت لآجال وقوعها .

فذكر هاتين الصفتين هنا : وعيد لمن شملته آيات الذم السابقة ، ووعد لمن أمر بالإعراض عنهم وعن افترائهم ، وبالتحاكم معهم إلى الله ، والذين يعلمون أن الله أنزل كتابه بالحق .

| 2 ( 116 ) ﴿ وإن تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ . ) 2

أعقب ذكر عناد المشركين ، وعداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وولايتهم للشياطين ، ورضاهم بما توسوس لهم شياطين الجن والإنس ، واقترافهم السيئات طاعة

وجملة ﴿ هم قائلون ﴾ حال أيضا لعطفها على ﴿ بياتا ﴾ بأو ، وقد كفى هذا الحرف العاطف عن ربط جملة الحال بواو الحال ، ولولا العطف لكان تجرد مثل هذه الجملة عن الواو غير حسن ، كما قال في ( الكشاف ) ، وهو متابع لعبد القاهر .

وأقول : إن جملة الحال ، إذا كانت جملة اسمية ، فإما أن تكون منحلة إلى مفردين : أحدهما وصف صاحب الحال ، فهذه تجردها عن الواو قبيح ، كما صرح به عبد القاهر وحققه التفتزاني في ( المطول ) ، لأن فصيح الكلام أن يجاء بالحال مفردة إذ لا داعي للجملة ، نحو جاءني زيد هو فارس ، إذ يغني أن تقول : فارسا .

وأما إذا كانت الجملة اسمية فيها زيادة على وصف صاحب الحال ، وفيها ضمير صاحب الحال ، فخلوها عن الواو حسن نحو قوله تعالى : ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ﴾ ( طه : 123 ) فإن هذه حالة لكلا الفريقين ، وهذا التحقيق هو الذي يظهر به الفرق بين قوله : ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ ( طه : 123 ) وقولهم ، في المثال : جاءني زيد هو فارس ، وهو خير مما أجاب به الطيبي وما ساقه من عبارة ( المفتاح ) وعبارة ابن الحاجب فتأمله . وعلل حذف واو الحال بدفع استثقال توالي حرفين من نوع واحد .

و ( أو ) لتقسيم القرى المهلكة : إلى مهلكة في الليل ، ومهلكة في النهار ، والمقصود من هذا التقسيم تهديد أهل مكة حتى يكونوا على وجل في كل وقت لا يدرون متى يحل بهم العذاب ، بحيث لا يأمنون في وقت ما .

ومعنى : ﴿ قائلون ﴾ كائنون في وقت القيلولة ، وهي القائلة ، وهي اسم للوقت المبتدىء من نصف النهار المنتهي بالعصر ، وفعله : قال يقيل فهو قائل ، والمقيل الراحة في ذلك الوقت ، ويطلق المقيل على القائلة أيضا .

وخص هذان الوقتان من بين أوقات الليل والنهار : لأنهما اللذان

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٢٢