تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الانتفاع بما يصلح لانتفاعها .

وقوله : ﴿ هذا ﴾ مقدمة لقوله : ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ أي بسوء يعوقها عن الرعي إما بموت أو بجرح ، وإما لأنهم لما كذبوه وكذبوا معجزته راموا منع الناقة من الرعي لتموت جوعا على معنى الإلجاء الناشىء عن الجهالة .

والأرض هنا مراد بها جنس الأرض كما تقتضيه الإضافة .

وقد جعل الله سلامة تلك الناقة علامة على سلامتهم من عذاب الاستيصال للحكمة التي قدمتها آنفا ، وأن ما أوصى الله به في شأنها شبيه بالحرم ، وشبيه بحمى الملوك لما فيه من الدلالة على تعظيم نفوس القوم لمن تنسب إليه تلك الحرمة ، ولذلك قال لهم صالح : ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ﴾ لأنهم إذا مسها أحد بسوء ، عن رضى من البقية ، فقد دلوا على أنهم خلعوا حرمة الله تعالى وحنقوا على رسوله عليه السلام .

وجزم ﴿ تأكل ﴾ على أن أصله جواب الأمر بتقدير : إن تذروها تأكل ، فالمعنى على الرفع والاستعمال على الجزم ، كما في قوله تعالى : ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ﴾ ( إبراهيم : 31 ) أي يقيمون وهو كثير في الكلام ، ويشبه أن أصل جزم أمثاله في الكلام العربي على التوهم لوجود فعل الطلب قبل فعلل صالح للجزم ، ولعل منه قوله تعالى : ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ﴾ ( الحج : 27 ) .

وانتصب قوله : ﴿ فيأخذكم ﴾ في جواب النهي ليعتبر الجواب للمنهي عنه لأن حرف النهي لا أثر له : أي إن تمسوها بسوء يأخذكم عذاب .

وأنيط النهي بالمس بالسوء لأن المس يصدق على أقل اتصال شيء بالجسم ، فكل ما ينالها مما يراد منه السوء فهو منهي عنه ، وذلك لأن الحيوان لا يسوؤه إلا ما فيه ألم لذاته ، لأنه لا يفقه المعاني النفسانيه .

والباء في قوله : ﴿ بسوء ﴾ للملابسة ، وهي في موضع الحال من فاعل تمسوها أي بقصد سوء .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٢١٩