يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون } ( الأنعام : 31 ) . وأما تسمية الإثم وزرا فلأنه يتخيل ثقيلا على نفس المؤمن . فمعنى ﴿ لا تزر وازرة ﴾ لا تحمل حاملة ، أي لا تحمل نفس حين تحمل حمل أي نفس أخرى غيرها ، فالمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئا تحمله عنها ، أي كل نفس تزر وزر نفسها ، فيفيد أن وزر كل أحد عليه وأنه لا يحمل غيره عنه شيئا من وزره الذي وزره وأنه لا تبعة على أحد من وزر غيره من قريب أو صديق ، فلا تغني نفس عن نفس شيئا ، ولا تتبع نفس بإثم غيرها ، فهي إن حملت لا تحمل حمل غيرها . وهذا إتمام لمعنى المتاركة .
﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي . وهذا الكلام يحتمل أن يكون من جملة القول المأمور به فيكون تعقيبا للمتاركة بما فيه تهديدهم ووعيدهم ، فكان موقع ﴿ ثم ﴾ لأن هذا الخبر أهم . فالخطاب في قوله : ﴿ إلى ربكم مرجعكم ﴾ خطاب للمشركين وكذلك الضميران في قوله : ﴿ بما كنتم فيه تختلفون ﴾ والمعنى : بما كنتم فيه تختلفون مع المسلمين ، لأن الاختلاف واقع بينهم وبين المسلمين ، وليس بين المشركين في أنفسهم اختلاف . فأدمج الوعيد بالوعيد . وقد جعلوا هذه الجملة مع التي قبلها آية واحدة في المصاحف .
ويحتمل أن يكون المقول قد انتهى عند قوله : ﴿ وزر أخرى ﴾ فيكون قوله : ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم ﴾ استئناف كلام من الله تعالى خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمعاندين له . و ( ثم ) صالحة للاستئناف لأن الإستئناف ملائم للترتيب الرتبي ، والكلام وعيد ووعد أيضا . ولا ينافي ذلك أن تكون مع التي قبلها آية واحدة .
دعاه النبيء صلى الله عليه وسلم أن يقول : ( لا إلاه إلا الله ) عند احتضاره فقالوا لأبي طالب : ( أترغب عن ملة عبد المطلب ) .
واجتلاب ( كان ) لتدل على أن عبادتهم أمر قديم مضت عليه العصور .
والتعبير بالفعل وكونه مضارعا في قوله : ﴿ يعبد ﴾ ليدل على أن ذلك متكرر من آبائهم ومتجدد وأنهم لا يفترون عنه .
ومعنى ﴿ أجئتنا ﴾ أقصدت واهتممت بنا لنعبد الله وحده فاستعير فعل المجيء لمعنى الاهتمام والتحفز والتصلب ، كقول العرب : ذهب يفعل ، وفي القرآن : ﴿ يأيها المدثر قم فأنذر ﴾ ( المدثر : 1 ، 2 ) وقال حكاية عن فرعون : ﴿ ثم أدبر يسعى فحشر فنادى ﴾ ( النازعات : 22 ، 23 ) وفرعون لم يفارق مجلس ملكه وإنما أريد أنه أعرض واهتم ومثله قولهم ذهب يفعل كذا قال النبهاني :
فإن كنت سيدنا سدتنا
وإن كنت للخال فاذهب فخل
فقصدوا مما دل عليه فعل المجيء زيادة الإنكار عليه وتسفيهه على اهتمامه بأمر مثل ما دعاهم إليه .
و ﴿ وحده ﴾ حال من اسم الجلالة وهو اسم مصدر أوحده : إذا اعتقده واحدا ، فقياس المصدر الإيجاد ، وانتصب هذا المصدر على الحال : إما من اسم الجلالة بتأويل المصدر باسم المفعول عند الجمهور أي موحدا أي محكوما له بالوحدانيه ، وقال يونس : هو بمعنى اسم الفاعل أي موحدين له فهو حال من الضمير في ﴿ لنعبد ﴾ .
وتقدم معنى : ﴿ ونذر ﴾ عند قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا في سورة الأنعام ( 70 ) .
والفاء في قوله : فأننا بما تعدنا } لتفريع طلب تحقيق ما توعدهم به ، وتحديا لهود ، وإشعارا له بأنهم موقنون بأن لا صدق للوعيد الذي يتوعدهم