تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في مثل هذا قوله تعالى : ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ، كما تقدم في سورة البقرة ( 41 ) . وليس المراد معناه الصريح لقلة جدوى الخبر بذلك ، لأن كل داع إلى شيء فهو أول أصحابه لا محالة ، فماذا يفيد ذلك الأعداء والأتباع ، فإن أريد بالمسلمين الذين اتبعوا حقيقة الإسلام بمعنى إسلام الوجه إلى الله تعالى لم يستقم ، لأن إبراهيم عليه السلام كان مسلما وكان بنوه مسلمين ، كما حكى الله عنهم إذ قال إبراهيم عليه السلام : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ ( البقرة : 132 ) وكذلك أبناء يعقوب كانوا مسلمين إذ قالوا : ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ ( البقرة : 136 ) .

وقرأ نافع وأبو جعفر بإثبات ألف ( أنا ) إذا وقعت بعدها همزة ويجري مدها على قاعدة المد ، وحذفها الباقون قبل الهمزة ، واتفق الجميع على حذفها قبل غير الهمزة تخفيفا جرى عليه العرب في الفصيح من كلامهم نحو : ( أنا يوسف ) واختلفوا فيه قبل الهمزة نحو أنا أفعل ، وأحسب أن الأفصح إثباتها مع الهمز للتمكن من المد .

| 2 ( 164 ) ﴿ قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شىء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ . ) 2

استئناف ثالث ، مفتتح بالأمر بالقول ، يتنزل منزلة النتيجة لما قبله ، لأنه لما علم أن الله هداه إلى صراط مستقيم ، وأنقذه من الشرك ، وأمره بأن يمحض عبادته وطاعته لربه تعالى ، شكرا على الهداية ، أتبع ذلك بأن ينكر أن يعبد غير الله تعالى لأن واهب النعم هو مستحق الشكر ، والعبادة جماع مراتب الشكر ، وفي هذا رجوع إلى بيان ضلالهم إذ عبدوا غيره وإعادة الأمر بالقول تقدم بيان وجهه .

بالذكر ( بضم الذال ) لأن النفس تنسى النعم فتكفر المنعم ، فإذا تذكرت النعمة رأت حقا عليها أن تشكر المنعم ، ولذلك كانت مسألة شكر المنعم من أهم مسائل التكليف ، والاكتفاء بحسنه عقلا عند المتكلمين سواء منهم من اكتفى بالحس العقلي ومن لم يكتف به واعتبر التوقف على الخطاب الشرعي .

و ﴿ إذ ﴾ اسم زمان منصوب على المفعول به ، وليس ظرفا لعدم استقامة المعنى على الظرفية ، والتحقيق أن ( إذ ) لا تلازم الظرفية بل هي ظرف متصرف ، وهو مختار صاحب ( الكشاف ) ، والمعنى : اذكروا الوقت الذي ظهرت فيه خلافتكم عن قوم نوح في تعمير الأرض والهيمنة على الأمم ، فإن عادا كانوا ذوي قوة ونعمة عظيمة ﴿ وقالوا من أشد منا قوة ﴾ ( فصلت : 15 ) .

فالخلفاء جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شيء ، أي يتولى عمل ما كان يعمله الآخر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة ( 30 ) ، فالمراد : جعلكم خلفاء في تعمير الأرض ، ولما قال : من بعد قوم نوح ﴾ علم أن المقصود أنهم خلفاء قوم نوح ، فعاد أول أمة اضطلعت بالحضارة بعد الطوفان ، وكان بنو نوح قد تكاثروا وانتشروا في الأرض ، في أرمينية والموصل والعراق وبلاد العرب ، وكانوا أمما كثيرة ، أو كانت عاد عظم تلك الأمم وأصحاب السيادة على سائر الأمم ، وليس المراد أنهم خلفوا قوم نوح في ديارهم لأن منازل عاد غير منازل قوم نوح عند المؤرخين ، وهذا التذكير تصريح بالنعمة ، وتعريض بالنذارة والوعيد بأن قوم نوح إنما استأصلهم وأبادهم عذاب من الله على شركهم ، فمن اتبعهم في صنعهم يوشك أن يحل به عذاب أيضا .

و ﴿ الخلق ﴾ يحتمل أن يكون مصدرا خالصا ، ويحتمل أن يكون بمعنى اسم المفعول ، وهو يستعمل في المعنيين .

وقوله : ﴿ بصطة ﴾ ثبت في المصاحف بصاد قبل الطاء وهو مرادف بسطة

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٢٠٥