تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن أعمال الحياة كثيرة وفيرة ، وأما الأعمال عند الموت فهي ما كان عليه في مدة الحياة وثباته عليه ، لأن حالة الموت أو مدته هي الحالة أو المدة التي تنقلب فيها أحوال الجسم إلى صفة تؤذن بقرب انتهاء مدة الحياة وتلك حالة الاحتضار ، وتلك الحالة قد تؤثر انقلابا في الفكر أو استعجالا بما لم يكن يستعجل به الحي ، فربما صدرت عن صاحبها أعمال لم يكن يصدرها في مدة الصحة ، اتقاء أو حياء أو جلبا لنفع ، فيرى أنه قد يئس مما كان يراعيه ، فيفعل ما لم يكن يفعل ، وأيضا لتلك الحالة شؤون خاصة تقع عندها في العادة مثل الوصية ، وهذه كلها من أحوال آخر الحياة ، ولكنها تضاف إلى الموت لوقوعها بقربه ، وبهذا يكون ذكر الممات مقصودا منه استيعاب جميع مدة الحياة حتى زمن الإشراف على الموت .

ويجوز أن يكون المراد من الممات ما يحصل للرسول عليه الصلاة والسلام بعد وفاته من توجهاته الروحية نحو أمته بالدعاء لهم والتسليم على من سلم عليه منهم والظهور لخاصة أمته في المنام فإن للرسول بعد مماته أحكام الحياة الروحية الكاملة كما ورد في الحديث : ( إذا سلم علي أحد من أمتي رد الله علي روحي فرددت عليه السلام ) وكذلك أعماله في الحشر من الشفاعة العامة والسجود لله في عرصات القيامة فتلك أعمال خاصة به صلى الله عليه وسلم وهي كلها لله تعالى لأنها لنفع عبيده أو لنفع أتباع دينه الذي ارتضاه لهم ، فيكون قوله : ﴿ ومماتي ﴾ هنا ناظرا إلى قوله في الحديث : ( حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ) .

ويجوز أن يكون معنى مماته لله الشهادة في سبيل الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمته اليهودية بخيبر في لحم شاة أطعموه إياه حصل بعض منه في إمعائه . ففي الحديث ( ما زالت أكلة خيبر تعتادني

من الله والحكمة من الإرسال واحدة ، فلا جرم أن تتشابه دعواتهم ، وفي الحديث : ( الأنبياء أبناء علات ) وقال تعالى : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ ( الشورى : 13 ) .

وجملة : ﴿ أفلا تتقون ﴾ استفهامية إنكارية معطوفة بفاء التفريع على جملة : ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ . والمراد بالتقوى الحذر من عقاب الله تعالى على إشراكهم غيره في العبادة واعتقاد الإلهية . وفيه تعريض بوعيدهم إن استمروا على ذلك . وإنما ابتدأ بالإنكار عليهم إغلاظا في الدعوة وتهويلا لفظاعة الشرك ، إن كان قال ذلك في ابتداء دعوته ، ويحتمل أن ذلك حكاية قولل من أقواله في تكرير الدعوة بعد أن دعاهم المرة بعد المرة ووعظهم ، كما قال نوح ﴿ إني دعوت قومي ليلا ونهارا ﴾ ( نوح : 5 ) كما اقتضاه بعض توجيهات تجريد حكاية كلامه عن فاء التفريع المذكور آنفا .

ووصف الملإ ب ﴿ الذين كفروا ﴾ هنا ، دون ما في قصة نوح ، وصف كاشف وليس للتقييد تفننا في أساليب الحكاية ألا ترى أنه قد وصف ملأ قوم نوح ب ﴿ الذين كفروا ﴾ في آية سورة هود ، والتوجيه الذي في ( الكشاف ) هنا غفلة عما في سورة هود .

والرؤية قلبية ، أي أنا لنعلم أنك في سفاهة .

والسفاهة سخافة العقل ، وقد تقدم القول في هذه المادة عند قوله تعالى : ﴿ قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ﴾ ( البقرة : 13 ) وقوله ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه في سورة البقرة ( 130 ) . جعلوا قوله : ما لكم من إله غيره ﴾ كلاما لا يصدر إلا عن مختل العقل لأنه من قول المحال عندهم .

وأطلقوا الظن على اليقين في قولهم : ﴿ وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ وهو استعمال كثير كما في قوله تعالى : ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وقد تقدم في سورة البقرة ( 46 ) ، وأرادوا تكذيبه في قوله ما لكم من إله غيره ﴾ ، وفيما يتضمنه قوله ذلك من كونه رسولا إليهم من الله .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٢٠٢