وابتدأها بحفظ حق الضعيف الذي لا يستطيع الدفع عن حقه في ماله ، وهو اليتيم ، فقال : ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ والقربان كناية عن ملابسة مال اليتيم . والتصرف فيه كما تقدم آنفا في قوله : ﴿ ولا تقربوا الفواحش ﴾ ( الأنعام : 151 ) . ولما اقتضى هذا تحريم التصرف في مال اليتيم ، ولو بالخزن والحفظ ، وذلك يعرض ماله للتلف ، استثني منه قوله : ﴿ إلا بالتي هي أحسن ﴾ أي إلا بالحالة التي هي أحسن ، فاسم الموصول صفة لموصوف محذوف يقدر مناسبا للموصول الذي هو اسم للمؤنث ، فيقدر بالحالة أو الخصلة .
والباء للملابسة ، أي إلا ملابسين للخصلة أو الحالة التي هي أحسن حالات القرب ، ولك أن تقدره بالمرة من : ﴿ تقربوا ﴾ أي إلا بالقربة التي هي أحسن . وقد التزم حذف الموصوف في مثل هذا التركيب واعتباره مؤنثا يجري مجرى المثل ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ ( المؤمنون : 96 ) أي بالخصلة الحسنة ادفع السيئة ، ومن هذا القبيل أنهم أتوا بالموصول مؤنثا وصفا لمحذوف ملتزم الحذف وحذفوا صلته أيضا في قولهم في المثل : ( بعد اللتيا والتي ) ، أي بعد الداهية الحقيرة والداهية الجليلة كما قال سلمي بن ربيعة الضبي :
ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها
وكفيت جانبها اللتيا والتي
و ﴿ أحسن ﴾ اسم تفضيل مسلوب المفاضلة ، أي الحسنة ، وهي النافعة التي لا ضر فيها لليتيم ولا لماله . وإنما قال هنا : ﴿ ولا تقربوا ﴾ تحذيرا من أخذ ماله ولو بأقل أحوال الأخذ لأنه لا يدفع عن نفسه ، ولذلك لم يقل هنا : ﴿ ولا تأكلوا كما قال في سورة البقرة ( 188 ) : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ .
والأشد : اسم يدل على قوة الإنسان ، وهو مشتق من الشد وهو التوثق ،
وفي يونس ، والرعد ، وطه ، والفرقان ، وألم السجدة ، والحديد ، وفصلت . فظهر لي أن لهذا الفعل خصوصية في كلام العرب كان بسببها أجدر بالدلالة على المعنى المراد تبليغه مجملا مما يليق بصفات الله ويقرب إلى الأفهام من معنى عظمته ، ولذلك اختير في هذه الآيات دون غيره من الأفعال التي فسره بها المفسرون .
فالاستواء يعبر عن شأن عظيم من شؤون عظمة الخالق تعالى ، اختير التعبير به على طريق الاستعارة والتمثيل : لأن معناه أقرب معاني المواد العربية إلى المعنى المعبر عنه من شؤونه تعالى ، فإن الله لما أراد تعليم معانن من عالم الغيب لم يكن يتأتى ذلك في اللغة إلا بأمثلة معلومة من عالم الشهادة ، فلم يكن بد من التعبير عن المعاني المغيبة بعبارات تقربها مما يعبر به عن عالم الشهادة ، ولذلك يكثر في القرآن ذكر الاستعارات التمثيلية والتخييلية في مثل هذا .
وقد كان السلف يتلقون أمثالها بلا بحثث ولا سؤال لأنهم علموا المقصود الإجمالي منها فاقتنعوا بالمعنى مجملا ، ويسمون أمثالها بالمتشابهات ، ثم لما ظهر عصر ابتداء البحث كانوا إذا سئلوا عن هذه الآية يقولون : استوى الله على العرش ولا نعرف لذلك كيفا ، وقد بينت أن مثل هذا من القسم الثاني من المتشابه عند قوله تعالى : ﴿ وأخر متشابهات في سورة آل عمران ( 7 ) ، فكانوا يأبون تأويلها . وقد حكى عياض في المدارك ﴾ عن سفيان بن عيينة أنه قال : سأل رجل مالكا فقال : الرحمان على العرش استوى . كيف استوى يا أبا عبد الله ؛ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء ثم سري عنه ، فقال : ( الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب وإني لأظنك ضالا ) واشتهر هذا عن مالك في روايات كثيرة ، وفي بعضها أنه قال لمن سأله : ( وأظنك رجل سوء أخرجوه عني ) وأنه قال :