وقد تقدم عند قوله تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } في هذه السورة ( 137 ) .
وجملة : ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ معترضة ، مستأنفة ، علة للنهي عن قتلهم ، إبطالا لمعذرتهم : لأن الفقر قد جعلوه عذرا لقتل الأولاد ، ومع كون الفقر لا يصلح أن يكون داعيا لقتل النفس ، فقد بين الله أنه لما خلق الأولاد فقد قدر رزقهم ، فمن الحماقة أن يظن الأب أن عجزه عن رزقهم يخوله قتلهم ، وكان الأجدر به أن يكتسب لهم .
وعدل عن طريق الغيبة الذي جرى عليه الكلام من قوله : ﴿ ما حرم ربكم ﴾ إلى طريق التكلم بضمير : نرزقكم تذكيرا بالذي أمر بهذا القول كله ، حتى كأن الله أقحم كلامه بنفسه في أثناء كلام رسوله الذي أمره به ، فكلم الناس بنفسه ، وتأكيدا لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم
وذكر الله رزقهم مع رزق آبائهم ، وقدم رزق الآباء للإشارة إلى أنه كما رزق الآباء ، فلم يموتوا جوعا ، كذلك يرزق الأبناء ، على أن الفقر إنما اعترى الآباء فلم يقتل لأجله الأبناء .
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي . هنا لإفادة الاختصاص : أي نحن نرزقكم وإياهم لا أنتم ترزقون أنفسكم ولا ترزقون أبناءكم . وقد بينت آنفا أن قبائل كثيرة كانت تئد البنات . فلذلك حذروا في هذه الآية .
وجملة : ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ عطف على ما قبله . وهو نهي عن اقتراف الآثام ، وقد نهى عن القرب منها ، وهو أبلغ في التحذير من النهي عن ملابستها : لأن القرب من الشيء مظنة الوقوع فيه ، ولما لم يكن للإثم قرب وبعد كان القرب مرادا به الكناية عن ملابسة الإثم أقل ملابسة ، لأنه من المتعارف أن يقال ذلك في الأمور المستقرة
وبأن المشركين ظلموا بنكث العهد بقوله : ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ﴾ ( الأعراف : 37 ) وتوعدهم وذكرهم أحوال أهل الآخرة ، وعقب ذلك عاد إلى ذكر القرآن بقوله : ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ﴾ ( الأعراف : 52 ) وأنهاه بالتذييل بقوله : ﴿ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ ( الأعراف : 53 ) .
فلا جرم تهيأت الأسماع والقلوب لتلقي الحجة على أن الله إله واحد ، وأن آلهة المشركين ضلال وباطل ، ثم لبيان عظيم قدرته ومجده فلذلك استؤنف بجملة ﴿ إن ربكم الله ﴾ الآية ، استئنافا ابتدائيا عاد به التذكير إلى صدر السورة في قوله : ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ ( الأعراف : 3 ) ، فكان ما في صدر السورة بمنزلة المطلوب المنطقي ، وكان ما بعده بمنزله البرهان ، وكان قوله : ﴿ إن ربكم الله ﴾ بمنزلة النتيجة للبرهان ، والنتيجة مساوية للمطلوب إلا أنها تؤخذ أوضح وأشد تفصيلا .
فالخطاب موجه إلى المشركين ابتداء ، ولذلك كان للتأكيد بحرف ( إن ) موقعه لرد إنكار المشركين انفراد الله بالربوبيه . وإذ كان ما اشتملت عليه هذه الآية يزيد المسلمين بصيرة بعظم مجد الله وسعة ملكه ، ويزيدهم ذكرى بدلائل قدرته ، كان الخطاب صالحا لتناول المسلمين ، لصلاحية ضمير الخطاب لذلك ، ولا يكون حرف ( إن ) بالنسبة إليهم سدى ، لأنه يفيد الاهتمام بالخبر ، لأن فيه حظا للفريقين ، ولأن بعض ما اشتمل عليه ( ما ) هو بالمؤمنين أعلق مثل ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ﴾ ( الأعراف : 55 ) وقوله : ﴿ إن رحمت الله قريب من المحسنين ﴾ ( الأعراف : 56 ) وبعضه بالكافرين أنسب مثل قوله : ﴿ كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ﴾ ( الأعراف : 57 ) .
وقد جعل المخبر عنه الرب ، والخبر اسم الجلالة : لأن المعنى أن الرب لكم المعلوم عندكم هو الذي اسمه الدال على ذاته : الله ، لا غيره ممن ليس