تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استئناف ابتدائي : للانتقال من طريقة الجدل والمناظرة في إبطال زعمهم ، إلى إبطاله بطريقة التبيين ، أي أحضروا من يشهدون أن الله حرم هذا ، تقصيا لإبطال قولهم من سائر جهاته . ولذلك أعيد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما يظهر كذب دعواهم .

وإعادة فعل ﴿ قل ﴾ بدون عطف لاسترعاء الأسماع ولوقوعه على طريقة المحاورة كما قدمناه آنفا .

و ﴿ هلم ﴾ اسم فعلل أمر للحضور أو الإحضار ، فهي تكون قاصرة كقوله تعالى : ﴿ هلم إلينا ﴾ ( الأحزاب : 18 ) ومتعدية كما هنا ، وهو في لغة أهل الحجاز يلزم حالة واحدة فلا تلحقه علامات مناسبة للمخاطب ، فتقول : هلم يا زيد ، وهلم يا هند ، وهكذا ، وفي لغة أهل العالية أعني بني تميم تلحقه علامات مناسبة ، يقولون : هلمي يا هند ، وهلما ، وهلموا ، وهلممن ، وقد جاء في هذه الآية على الأفصح فقال : ﴿ هلم شهداءكم ﴾ .

والشهداء : جمع شهيد بمعنى شاهد ، والأمر للتعجيز إذ لا يلقون شهداء يشهدون أن الله حرم ما نسبوا إليه تحريمه من شؤون دينهم المتقدم ذكرها . وأضيف الشهداء إلى ضمير المخاطبين لزيادة تعجيزهم ، لأن شأن المحق أن يكون له شهداء يعلمهم فيحضرهم إذا دعي إلى إحقاق حقه ، كما يقال للرجل : اركب فرسك والحق فلانا ، لأن كل ذي بيت في العرب لا يعدم أن يكون له فرس ، فيقول ذلك له من لا يعلم له فرسا خاصا ولكن الشأن أن يكون له فرس ومنه قوله تعالى : ﴿ يدنين عليهن من جلابيبهن ﴾ ( الأحزاب : 59 ) وقد لا يكون لإحداهن جلباب كما ورد في الحديث أنه سئل : إذا لم يكن لإحدانا جلباب ، قال : لتلبسها أختها من جلبابها .

ولا الخفاء أي عالمين علما ذاتيا لا يتخلف عنا ولا يختلف في ذاته ، أي لا يحتمل الخطأ ولا التردد .

و ﴿ هدى ورحمة ﴾ حال من ﴿ كتاب ﴾ . أو من ضميره في قوله : ﴿ فصلناه ﴾ . ووصف الكتاب بالمصدرين ﴿ هدى ورحمة ﴾ إشارة إلى قوة هديه الناس وجلب الرحمة لهم .

وجملة ﴿ هدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ إشارة إلى أن المؤمنين هم الذين توصلوا للاهتداء به والرحمة . وأن من لم يؤمنوا قد حرموا الاهتداء والرحمة . وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة ( 2 ) : { هدى للمتقين .

$ 2 ( 53 ) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل قد خسرو &

1764 ا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } . ) 2 $

جملة ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ مستأنفة استينافا بيانيا ، لأن قوله : ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ يثير سؤال من يسأل : فماذا يؤخرهم عن التصديق بهذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات ؟ وهل أعظم منه آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فكان قوله : ﴿ هل ينظرون ﴾ كالجواب عن هذا السؤال ، الذي يجيش في نفس السامع . والاستفهام إنكاري ولذلك جاء بعده الاستثناء .

ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ ينتظرون من النظرة بمعنى الانتظار ، والاستثناء من عموم الأشياء المنتظرات ، والمراد المنتظرات من هذا النوع وهو الآيات ، أي

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٥٣