تعالى : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ، كما أشرنا إليه هنالك لأن الجرائم التي عدت عليهم هنالك كلها مما أحدثوه بعد موسى عليه السلام . فقوله تعالى : ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ يراد منه البغي الذي أحدثوه زمن موسى . في مدة التيه ، مما أخبر الله به عنهم : مثل قولهم : ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ ( البقرة : 61 ) وقولهم : ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا ﴾ ( المائدة : 24 ) وعبادتهم العجل . وقد عد عليهم كثير من ذلك في سورة البقرة .
ومناسبة تحريم هذه المحرمات للكون جزاء لبغيهم : أن بغيهم نشأ عن صلابة نفوسهم وتغلب القوة الحيوانية فيهم على القوة الملكية ، فلعل الله حرم عليهم هذه الأمور تخفيفا من صلابتهم ، وفي ذلك إظهار منته على المسلمين بإباحة جميع الحيوان لهم إلا ما حرمه القرآن وحرمته السنة مما لم يختلف فيه العلماء وما اختلفوا فيه .
ولم يذكر الله تحريم لحم الخنزير ، مع أنه مما شمله نص التوراة ، لأنه إنما ذكر هنا ما خصوا بتحريمه مما لم يحرم في الإسلام ، أي ما كان تحريمه موقتا .
وتقديم المجرور على عامله في قوله : ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ﴾ للاهتمام ببيان ذلك ، لأنه مما يلتفت الذهن إليه عند سماع تحريم كل ذي ظفر فيترقب الحكم بالنسبة إليهما فتقديم المجرور بمنزلة الافتتاح ب ( أما ) .
وجملة : ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ تذييل يبين علة تحريم ما حرم عليهم .
واسم الإشارة في قوله : ﴿ ذلك جزيناهم ﴾ مقصود به التحريم المأخوذ من قوله : ﴿ حرمنا ﴾ فهو في موضع مفعول ثان : ل ﴿ جزيناهم ﴾ قدم
بالحديث في هذه الآيات رجالا من أصحاب الأعراف . ثم يحتمل أن يكون أصحاب الأعراف من الأمة الإسلامية خاصة . ويحتمل أن يكونوا من سائر الأمم المؤمنين برسلهم ، وأياما كان فالمقصود من هذه الآيات هم من كان من الأمة المحمدية .
وتنوين ﴿ كلا ﴾ عوض عن المضاف إليه المعروف من الكلام المتقدم . أي كل أهل الجنة وأهل النار .
والسيما بالقصر السمة أي العلامة ، أي بعلامة ميز الله بها أهل الجنة وأهل النار ، وقد تقدم بيانها واشتقاقها عند قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم في سورة البقرة ( 273 ) .
ونداؤهم أهل الجنة بالسلام يؤذن بأنهم في اتصال بعيد من أهل الجنة ، فجعل الله ذلك أمارة لهم بحسن عاقبتهم ترتاح لها نفوسهم . ويعلمون أنهم صائرون إلى الجنة ، فلذلك حكى الله حالهم هذه للناس إيذانا بذلك وبأن طمعهم في قوله : لم يدخلوها وهم يطمعون } هو طمع مستند إلى علامات وقوع المطموع فيه ، فهو من صنف الرجاء كقوله : ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ ( الشعراء 82 ) .
و ﴿ أن ﴾ تفسير للنداء ، وهو القول ﴿ سلام عليكم ﴾ . و ﴿ سلام عليكم ﴾ دعاء تحية وإكرام .
وجملة : ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ مستأنفة للبيان ، لأن قوله ﴿ ونادوا أصحاب الجنة ﴾ يثير سؤالا يبحث عن كونهم صائرين إلى الجنة أو إلى غيرها . وجملة : ﴿ وهم يطمعون ﴾ حال من ضمير ﴿ يدخلوها ﴾ والجملتان معا معترضتان بين جملة : ﴿ ونادوا أصحاب الجنة ﴾ وجملة ﴿ وإذا صرفت أبصارهم ﴾ .
وجملة : ﴿ وإذا صرفت أبصارهم ﴾ معطوفة على جملة : ﴿ ونادوا أصحاب الجنة ﴾ .
والصرف : أمر الحال بمغادرة المكان . والصرف هنا مجاز في الإلتفات أو استعارة . وإسناده إلى المجهول هنا جار على المتعارف في أمثاله من