تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أثاثا ومتاعا إلى حين } ( النحل : 80 ) ، وقال : ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم ﴾ ( النحل : 5 7 ) الآية ، ولأنهم كانوا يفترشون جلود الغنم والمعز للجلوس عليها .

ولفظ ﴿ فرشا ﴾ صالح لهذه المعاني كلها ، ومحامله كلها مناسبة للمقام ، فينبغي أن تكون مقصودة من الآية ، وكأن لفظ الفرش لا يوازنه غيره في جمع هذه المعاني ، وهذا من إعجاز القرآن من جانب فصاحته ، فالحمولة الإبل خاصة ، والفرش يكون من الإبل والبقر والغنم على اختلاف معاني اسم الفرش الصالحة لكل نوع مع ضميمته إلى كلمة ( من ) الصالحة للابتداء .

فالمعنى : وأنشأ من الأنعام ما تحملون عليه وتركبونه ، وهو الإبل الكبيرة والإبل الصغيرة ، وما تأكلونه وهو البقر والغنم ، وما هو فرش لكم وهو ما يجز منها ، وجلودها . وقد علم السامع أن الله لما أنشأ حمولة وفرشا من الأنعام فقد أنشأ الأنعام أيضا ، وأول ما يتبادر للناس حين ذكر الأنعام أن يتذكروا أنهم يأكلون منها ، فحصل إيجاز في الكلام ولذلك عقب بقوله : ﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ .

وجملة : ﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ معترضة مثل آية : ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر ﴾ ( الأنعام : 141 ) . ومناسبة الأمر بالأكل بعد ذكر الأنعام : أنه لما كان قوله : ﴿ وفرشا ﴾ شيئا ملائما للذبح ، كما تقدم ، عقب بالإذن بأكل ما يصلح للأكل منها . واقتصر على الأمر بالأكل لأنه المقصود من السياق إبطالا لتحريم ما حرموه على أنفسهم ، وتمهيدا لقوله : ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ فالأمر بالأكل هنا مستعمل في النهي عن ضده وهو عدم الأكل من بعضها ، أي لا تحرموا ما أحل لكم منها اتباعا لتغرير الشيطان بالسوسوسة لزعماء المشركين الذين سنوا لهم تلك السنن الباطلة ، وليس المراد بالأمر الإباحة فقط .

وعدل عن الضمير بأن يقول : كلوا منها : إلى الإتيان بالموصول ،

ووقع الإظهار في مقام الإضمار لدفع احتمال أن يكون الضمير عائدا إلى إحدى الطائفتين المتحاورتين في النار ، واختير من طرق الإظهار طريق التعريف بالموصول إيذانا بما تومىء إليه الصلة من وجه بناء الخبر ، أي : إن ذلك لأجل تكذيبهم بآيات الله واستكبارهم عنها ، كما تقدم في نظيرها السابق آنفا .

والسماء أطلقت في القرآن على معانن ، والأكثر أن يراد بها العوالم العليا غير الأرضية ، فالسماء مجموع العوالم العليا وهي مراتب وفيها عوالم القدس الإلهية من الملائكة والروحانيات الصالحة النافعة ، ومصدر إفاضة الخيرات الروحية والجثمانية على العالم الأرضي ، ومصدر المقادير المقدرة قال تعالى : ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ ( الذاريات : 22 ) ، فالسماء هنا مراد بها عالم القدس .

وأبواب السماء أسباب أمور عظيمة أطلق عليها اسم الأبواب لتقريب حقائقها إلى الأذهان فمنها قبول الأعمال ، ومسالك وصول الأمور الخيرية الصادرة من أهل الأرض ، وطرق قبولها ، وهو تمثيل لأسباب التزكية ، قال تعالى : ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ ( فاطر : 10 ) ، وما يعلم حقائقها بالتفصيل إلا الله تعالى ، لأنها محجوبة عنا ، فكما أن العفاة والشفعاء إذا وردوا المكان قد يقبلون ويرضى عنهم فتفتح لهم أبواب القصور والقباب ويدخلون مكرمين ، وقد يردون ويسخطون فتوصد في وجوههم الأبواب ، مثل إقصاء المكذبين المستكبرين وعدم الرضا عنهم في سائر الأحوال ، بحال من لا تفتح له أبواب المنازل ، وأضيفت الأبواب إلى السماء ليظهر أن هذا تمثيل لحرمانهم من وسائل الخيرات الإلهية الروحية ، فيشمل ذلك عدم استجابة الدعاء ، وعدم قبول الأعمال والعبادات ، وحرمان أرواحهم بعد الموت مشاهدة مناظر الجنة ومقاعد المؤمنين منها ، فقوله : ﴿ لا نفتح لهم أبواب السماء ﴾ كلمة جامعة لمعنى الحرمان من الخيرات الإلهية المحضة ، وإن كانوا ينالون من نعم

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٢٦