تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها ، كما تقدم ، أو إلى الأنعام المذكورة قبل . ولا يتعلق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء التي حرموها لأن المقصود التعجيب من فساد شرعهم كما تقدم آنفا ، وهذا خبر عن دينهم في أجنة الأنعام التي حجروها أو حرموا ظهورها ، فكانوا يقولون في أجنة البحيرة والسائبة : إذا خرجت أحياء يحل أكلها للذكور دون النساء ، وإذا خرجت ميتة حل أكلها للذكور والنساء ، فالمراد بما في البطون الأجنة لا محالة لقوله : ﴿ وإن يكن ميتة ﴾ وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة والسائبة : يشربها الرجال دون النساء ، فظن بعض المفسرين أن المراد بما في بطون الأنعام ألبانها ، وروي عن ابن عباس ، ولا ينبغي أن يكون هو معنى الآية ولكن محمل كلام ابن عباس أن ما في البطون يشمل الألبان لأنها تابعة للأجنة وناشئة عن ولادتها .

والخالصة : السائغة ، أي المباحة ، أي لا شائبة حرج فيها ، أي في أكلها ، ويقابله قوله : ﴿ ومحرم ﴾ .

وتأنيث ﴿ خالصة ﴾ لأن المراد بما الموصولة ﴿ الأجنة ﴾ فروعي معنى ( ما ) وروعي لفظ ( ما ) في تذكير ﴿ محرم ﴾ .

والمحرم : الممنوع ، أي ممنوع أكله ، فإسناد الخلوص والتحريم إلى الذوات بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء .

والأزواج جمع زوج ، وهو وصف للشيء الثاني لغيره ، فكل واحد من شيئين اثنين هو زوج ، ولذلك سمي حليل المرأة زوجا وسميت المرأة حليلة الرجل زوجا ، وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة في سورة البقرة ( 35 ) .

من ذلك ، فالخوف والحزن المنفيان هما ما يوجبه العقاب ، وقد ينتفي عنهم الخوف والحزن مطلقا بمقدار قوة التقوى والصلاح ، وهذا من الأسرار التي بين الله وعباده الصالحين ، ومثله قوله تعالى : ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ ( يونس : 62 64 ) .

وقد نفي الخوف نفي الجنس بلا النافية له ، وجيء باسمها مرفوعا لأن الرفع يساوي البناء على الفتح في مثل هذا ، لأن الخوف من الأجناس المعنوية التي لا يتوهم في نفيها أن يكون المراد نفي الفرد الواحد ، ولو فتح مثله لصح ، ومنه قول الرابعة من نساء حديث أم زرع : ( زوجي كليلل تهامه ، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سئامه ) فقد روي بالرفع وبالفتح .

و ( على ) في قوله : ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ للاستعلاء المجازي ، وهو المقارنة والملازمة ، أي لا خوف ينالهم .

وقوله : ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ جملة عطفت على جملة : ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ ، وعدل عن عطف المفرد ، بأن يقال ولا حزن ، إلى الجملة : ليتأتى بذلك بناء المسند الفعلي على ضميرهم ، فيدل على أن الحزن واقع بغيرهم ، وهم الذين كفروا . فإن بناء الخبر الفعلي على المسند إليه المتقدم عليه يفيد تخصيص المسند إليه بذلك الخبر ، نحو : ما أنا قلت هذا ، فإنه نفي صدور القول من المتكلم مع كون القول واقعا من غيره ، وعليه بيت ( دلائل الإعجاز ) ، ( وهو للمتنبي ) :

وما أنا أسقمت جسمي به

ولا أنا أضرمت في القلب نارا

فيفيد أن الذين كفروا يحزنون إفادة بطريق المفهوم ، ليكون كالمقدمة للخبر عنهم بعد ذلك بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١١٠