تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سهل : لأن المفعول ليس أجنبيا عن المضاف والمضاف إليه ، وجاء الزمخشري في ذلك بالتهويل ، والضجيج والعويل ، كيف يفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وزاد طنبور الإنكار نغمة . فقال : والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف : ﴿ شركائهم ﴾ مكتوبا بالياء ، وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة ، إذا خالفت ما دون عليه علم النحو ، لتوهمه أن القراءات اختيارات وأقيسة من القراء ، وإنما هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة .

ومدونات النحو ما قصد بها إلا ضبط قواعد العربية الغالبة ليجري عليها الناشئون في اللغة العربية ، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب ، والقراء حجة على النحاة دون العكس ، وقواعد النحو لا تمنع إلا قياس المولدين على ما ورد نادرا في الكلام الفصيح ، والندرة لا تنافي الفصاحة ، وهل يظن بمثل ابن عامر أنه يقرأ القرآن متابعة لصورة حروف التهجي في الكتابة . ومثل هذا لا يروج على المبتدئين في علم العربية ، وهلا كان رسم المصحف على ذلك الشكل هاديا للزمخشري أن يتفطن إلى سبب ذلك الرسم . أما ابن عطية فقال : ( هي قراءة ضعيفة في استعمال العرب ) يريد أن ذلك الفصل نادر ، وهذا لا يثبت ضعف القراءة لأن الندور لا ينافي الفصاحة .

وبعد ابن عطية هذه القراءة بعدم مناسبتها للتعليل بقوله : ﴿ ليردوهم ﴾ وتبعيد ابن عطية لها توهم : إذ لا منافاة بين أن يزينوا لهم قتل أولادهم وبين التعليل فإن التعليل يستعمل في العاقبة مجازا مثل قوله تعالى : ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ﴾ ( القصص : 8 ) . ومن العجيب قول الطبري : والقراءة التي لا أستجيز غيرها بفتح الزاي ونصب : ﴿ القتل ﴾ وخفض : ﴿ أولادهم ﴾ ورفع : ﴿ شركائهم ﴾ . وذلك على عادته في نصب نفسه حكما في الترجيح بين القراءات .

والمعنى الثاني : أن يكون المقصود بالخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيكون وعدا له بالنصر على مكذبيه ، وإعلاما له بأن سنته سنة غيره من الرسل بطريقة جعل سنة أمته كسنة غيرها من الأمم .

وذكر عموم الأمم في هذا الوعيد ، مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا ، إنما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التاريخ في قياس الحاضر على الماضي فيكون الوعيد خبرا معضودا بالدليل والحجة ، كما قال تعالى في آيات كثيرة منها : ﴿ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ ( آل عمران : 137 ) أي : ما أنتم إلا أمة من الأمم المكذبين ولكل أمة أجل فأنتم لكم أجل سيحين حينه .

وذكر الأجل هنا ، دون أن يقول لكل أمة عذاب أو استئصال ، إيقاظا لعقولهم من أن يغرهم الإمهال فيحسبوا أن الله غير مؤاخذهم على تكذيبهم ، كما قالوا : ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ ( الأنفال : 32 ) ، وطمأنة للرسول عليه الصلاة والسلام بأن تأخير العذاب عنهم إنما هو جري على عادة الله تعالى في إمهال الظالمين على حد قوله : ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ﴾ ( يوسف : 110 ) وقوله ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ ( آل عمران : 196 ، 197 ) .

ومعنى : ﴿ لكل أمة أجل ﴾ لكل أمة مكذبة إمهال فحذف وصف أمة أي : مكذبة .

وجعل لذلك الزمان نهاية وهي الوقت المضروب لانقضاء الإمهال ، فالأجل يطلق على مدة الإمهال ، ويطلق على الوقت المحدد به انتهاء الإمهال ، ولا شك أنه وضع لأحد الأمرين ثم استعمل في الآخرة على تأويل منتهى المدة أو تأخير المنتهى وشاع الاستعمالان . فعلى الأول يقال قضى الأجل أي المدة كما قال تعالى : ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ ( القصص : 28 ) وعلى الثاني يقال : ( دنا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٠٣