جملة ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ استئناف ابتدائي متصل بقوله : ﴿ فأثابهم الله بما قالوا إلى قوله وذلك جزاء المحسنين ﴾ ( المائدة : 85 ) . وما بينهما جمل معترضة نشأ بعضها عن بعض ، فعاد الكلام الآن إلى أحوال الذين اتبعوا عيسى عليه السلام ، فبدل كثير منهم تبديلا بلغ بهم إلى الكفر ومضاهاة المشركين ، للتذكير بهول عظيم من أهوال يوم القيامة تكون فيه شهادة الرسل على الأمم وبراءتهم مما أحدثه أممهم بعدهم في الدين مما لم يأذن به الله ، والتخلص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنه لم يأمرهم بتأليهه وعبادته . وهذا متصل في الغرض بما تقدم من قوله تعالى : ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ( المائدة : 82 ) . فإن في تلك الآيات ترغيبا وترهيبا ، وإبعادا وتقريبا ، وقع الانتقال منها إلى أحكام تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى ، وذلك من قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ ( المائدة : 87 ) وتفنن الانتقال إلى هذا المبلغ ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجة على النصارى في مشهد يوم القيامة . ولقد جاء هذا مناسبا للتذكير العام بقوله تعالى : ﴿ واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ ( المائدة : 108 ) . ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلما تكرر ذكره في هذه الآيات أربع مرات تعريضا بإبطال دعوى أنه ابن لله تعالى .
ولأنه لما تم الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى ، فإن الأديان وصايا الله إلى خلقه . قال تعالى : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ ( الشورى : 13 ) . وقد سماهم الله تعالى شهداء في قوله : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾ ( النساء : 41 ) .
فقوله : ﴿ يوم يجمع ﴾ ظرف ، والأظهر أنه معمول لعاملل محذوف يقدر بنحو : اذكر يوم يجمع الله الرسل ، أو يقدر له عامل يكون بمنزلة الجواب للظرف ، لأن الظرف إذا تقدم يعامل معاملة الشرط في إعطائه جوابا . وقد حذف هذا العامل لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن من التهويل ، تقديره يوم يجمع الله الرسل يكون هول عظيم لا يبلغه طول التعبير فينبغي طيه . ويجوز أن يكون متعلقا بفعل