القلائد ، فكيف بما عداها من جلال البدن ونعالها وكسوة الكعبة ، ولأن القلائد أيضا لا يخلو عنها هدي من الهدايا بخلاف الجلال والنعال . ونظير هذا قول أبي بكر ( والله لو منعوني عقالا ) إلخ . . .
وقوله : ﴿ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ الآية ، مرتبط بالكلام الذي قبله بواسطة لام التعليل في قوله ﴿ لتعلموا ﴾ . وتوسط اسم الإشارة بين الكلامين لزيادة الربط مع التنبيه على تعظيم المشار إليه ، وهو الجعل المأخوذ من قوله : ﴿ جعل الله الكعبة ﴾ ، فتوسط اسم الإشارة هنا شبيه بتوسط ضمير الفصل ، فلذلك كان الكلام شبيها بالمستأنف وما هو بمستأنف ، لأن ماصدق اسم الإشارة هو الكلام السابق ، ومفاد لام التعليل الربط بالكلام السابق ، فلم يكن في هذا الكلام شيء جديد غير التعليل ، والتعليل اتصال وليس باستئناف ، لأن الاستئناف انفصال . وليس في الكلام السابق ما يصلح لأن تتعلق به لام التعليل إلا قوله ﴿ جعل ﴾ . وليست الإشارة إلا للجعل المأخوذ من قوله ﴿ جعل ﴾ .
والمعنى : جعل الله الكعبة قياما للناس لتعلموا أن الله يعلم الخ . . ، أي أن من الحكمة التي جعل الكعبة قياما للناس لأجلها أن تعلموا أنه يعلم . فجعل الكعبة قياما مقصود منه صلاح الناس بادىء ذي بدء لأنه المجعولة عليه ، ثم مقصود منه علم الناس بأنه تعالى عليم . وقد تكون فيه حكم أخرى لأن لام العلة لا تدل على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدد العلل للفعل الواحد ، لأن هذه علل جعلية لا إيجادية ، وإنما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدة الاهتمام بها ، لأنها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل من معرفتها فوائد جمة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك . فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة قياما لأجلها .
والمقصود أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض قبل وقوعه لأنه جعل التعليل متعلقا بجعل الكعبة وما تبعها قياما للناس . وقد كان قيامها للناس حاصلا بعد وقت جعلها بمدة ، وقد حصل بعضه يتلو بعضا في أزمنة متراخية كما هو واضح . وأما كونه يعلم ذلك بعد وقوعه فلا يحتاج للاستدلال لأنه أولى ، ولأن كثيرا من الخلائق قد علم تلك الأحوال بعد وقوعها .