ليكون آية للتوحيد . وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى : { إن أول بيتت وضع للناس للذي ببكة في سورة آل عمران ( 96 ) . قالوا : إنه علم مشتق من الكعب ، وهو النتوء والبروز ، وذلك محتمل . ويحتمل أنهم سموا كل بارز كعبة ، تشبيها بالبيت الحرام ، إذ كان أول بيت عندهم ، وكانوا من قبله أهل خيام ، فصار البيت مثلا يمثل به كل بارز . وأما إطلاق الكعبة على ( القليس ) الذي بناه الحبشة في صنعاء ، وسماه بعض العرب الكعبة اليمانية ، وعلى قبة نجران التي أقامها نصارى نجران لعبادتهم التي عناها الأعشى في قوله :
فكعبة نجران حتم عليك
حتى تناخي بأبوابها
فذلك على وجه المحاكاة والتشبيه ، كما سمى بنو حنيفة مسليمة رحمان .
وقوله : البيت الحرام } بيان للكعبة . قصد من هذا البيان التنويه والتعظيم ، إذ شأن البيان أن يكون موضحا للمبين بأن يكون أشهر من المبين . ولما كان اسم الكعبة مساويا للبيت الحرام في الدلالة على هذا البيت فقد عبر به عن الكعبة في قوله تعالى : ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ ( المائدة : 2 ) فتعين أن ذكر البيان للتعظيم ، فإن البيان يجيء لما يجيء له النعت من توضيح ومدح ونحو ذلك . ووجه دلالة هذا العلم على التعظيم هو ما فيه من لمح معنى الوصف بالحرام قبل التغليب . وذكر البيت هنا لأن هذا الموصوف مع هذا الوصف صارا علما بالغلبة على الكعبة .
والحرام في الأصل مصدر حرم إذا منع ، ومصدره الحرام ، كالصلاح من صلح ، فوصف شيء بحرام مبالغة في كونه ممنوعا . ومعنى وصف البيت بالحرام أنه ممنوع من أيدي الجبابرة فهو محترم عظيم المهابة . وذلك يستتبع تحجير وقوع المظالم والفواحش فيه ، وقد تقدم أنه يقال رجل حرام عند قوله تعالى : ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم في هذه السورة ( 1 ) ، وأنه يقال : شهر حرام ، عند قوله تعالى : ولا الشهر الحرام ﴾ ( المائدة : 2 ) فيها أيضا ، فيحمل هذا الوصف على ما يناسبه بحسب الموصوف الذي يجري عليه ، وهو في كل موصوف يدل على أنه مما يتجنب جانبه ، فيكون تجنبه للتعظيم أو مهابته أو نحو ذلك ، فيكون