فهذا بيان المعنى والتركيب ، وإنما العقدة في وجود حرف النفي من قوله : ﴿ لا يؤمنون ﴾ لأن ﴿ ما يشعركم ﴾ بمعنى قولهم : ما يدريكم ، ومعتاد الكلام في نظير هذا التركيب أن يجعل متعلق فعل الدراية فيه هو الشيء الذي شأنه أن يظن المخاطب وقوعه ، والشيء الذي يظن وقوعه في مثل هذا المقام هو أنهم يؤمنون لأنه الذي يقتضيه قسمهم ﴿ لئن جاءتهم آية ليؤمنن ﴾ فلما جعل متعلق فعل الشعور نفي إيمانهم كان متعلقا غريبا بحسب العرف في استعمال نظير هذا التركيب .
والذي يقتضيه النظر في خصائص الكلام البليغ وفروقه أن لا يقاس قوله : ﴿ وما يشعركم ﴾ على ما شاع من قول العرب ﴿ ما يدريك ﴾ ، لأن تركيب ما يدريك شاع في الكلام حتى جرى مجرى المثل باستعمالل خاص لا يكادون يخالفونه كما هي سنة الأمثال أن لا تغير عما استعملت فيه ، وهو أن يكون اسم ( ما ) فيه استفهاما إنكاريا ، وأن يكون متعلق يدريك هو الأمر الذي ينكره المتكلم على المخاطب . فلو قسنا استعمال ﴿ ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ على استعمال ( ما يدريكم ) لكان وجود حرف النفي منافيا للمقصود ، وذلك مثار تردد علماء التفسير والعربية في محمل ﴿ لا ﴾ في هذه الآية . فأما حين نتطلب وجه العدول في الآية عن استعمال تركيب ( ما يدريكم ) وإلى إيثار تركيب ﴿ ما يشعركم ﴾ فإننا نعلم أن ذلك العدول لمراعاة خصوصية في المعدول إليه بأنه تركيب ليس متبعا فيه طريق مخصوص في الاستعمال ، فلذلك فهو جار على ما يسمح به الوضع والنظم في استعمال الأدواتت والأفعالل ومفاعيلها ومتعلقاتها .